أدباء وشعراء

إعداد وحوار الشاعرة رانية مرعي

أمل نمر طنانة تحمل الجنسيّة اللّبنانيّة والجنسيّة السّوريّة، رئيسة ملتقى الأدباء والشّعراء اللّبنانيّين.
حاصلة على شهادة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية.  

رئيسة ملتقى الأدباء والشّعراء اللّبنانيّين.

لها ثلاثة دواوين شعرية:
“هذا هو الحب”،حلم من ضياء” و “هذيان في حمّى من الحبّ”.
و لها مجموعات من قصص الأطفال بلغ عددها 160 جزءاً ومسرحيّات شعريّة وقصائد للأطفال.

شاركت في تأليف عدّة سلاسل لتعليم اللّغة العربيّة، وأشرفت على بعضها:
منها: جنان اللّغة / دار عون.
مبادئ القراءة والتّحليل دار ماهر.
سلسلة مروج الكلمات/ مؤسّسات أمل التربويّة.  

حائزة على عدة جوائز :
-جائزة الإبداع من مهرجان الفنّ والإبداع سنة 2004م.
-الجائزة الثّالثة من برنامج ملتقى الشّعراء عبر قناة الكوثر 2010.
-جائزة أفضل مسرحيّة للأطفال من وزارة الثّقافة اللّبنانيّة سنة 2007م.
-الجائزة الأولى عن قصيدتها: موعد العمر في مسابقة غزّة والجرح العربي.
-جائزة أفضل قصيدة حول انتصار تمّوز من ملتقى الجنوب المقاوم.
نالت أعلى نسبة من تصويت الجمهور عن مجموعتها في برنامج أمير الشّعراء في أبو ظبي سنة 2008.

عضو في الهيئة الإداريّة لجمعيّة إبداع ومنسّقة أكاديميّة الشّعر العربي.
مثّلت لبنان في عدّة مهرجانات شعريّة عربية وغربية
لها حضور دائم في مناسبات خاصّة بدعم المقاومة وقضيّة فلسطين، ومختصّة بكتابة الأدب والشّعر الملتزم.

لها خبرة 35 سنة في التّعليم، وآخرها 10 سنوات مشرفة اللّغة العربيّة في مؤسّسات أمل التّربويّة.
قلمٌ مقاوم بإمتياز، سيّال بمعاني البطولة والإباء.

رئيسة ملتقى الأدباء والشّعراء اللّبنانيّين.
الشاعرة أمل نمر طنانة:

اكتب الشعر كهاوية وما زلت أبحث عن الكلمةِ الّتي لم يقلها أحدٌ من قبلُ

*الشاعرة أمل طنانة، حدثينا عن البدايات وكيف كانت مسيرتك الكتابيّة؟


كلّ شيء له بداية إلّا الكلمة، فهي كائنٌ أزليّ، تولدُ في روحِ الشّاعرِ، كتوأمٍ لها، وقد وُلدْتُ وفي فمي ملعقةٌ من شِعرٍ، فأنا من عائلةٍ تجيدُ الحبَّ كما تُجيدُ التّنفّسَ، وتعشقُ الجمالَ كما تعشقُ الوطنَ، وقد عرفتُ الشّعرَ وعمري خمس سنواتٍ مع قصائد شاعر الأطفال الرّاحل سليمان العيسى، فكنتُ أسألُ أمّي ومعلّمتي عن معاني بعضِ المفرداتِ، فكانت أسئلتي تصدمُهما، لأنّ الأطفال عادةً لا يهتمّونَ للمعاني بقدر اهتمامهم بالنّشيد.
في السّبعيناتِ من القرنِ الماضي عشتُ طفولتي، عاشقةً للقراءةِ، مستعينةً باهتماماتِ أمّي وأبي القارئينِ النّهمينِ، اللّذينِ أسعدتهُما هواياتي، فلم يبخلا عليّ بمكتبةٍ عامرةٍ بكتبٍ متنوّعةٍ بما لذّ وطابَ من العناوين.  
وقد بدأتُ محاولاتي الأولى في كتابةِ الشّعر وعمري اثنتا عشرة سنةً، عزّزتُها بمحاولاتٍ أخرى وعمري أربعةَ عشر عامًا، ومع تشجيعِ والديّ ومعلّماتي استمرَّ اهتمامي بالشّعر، ومازلتُ أكتب الشّعر كهاويةٍ إلى اليومِ، رغمَ انتمائي إلى مدرسةِ الشّعرِ المقاومِ، وما زلت أبحث عن الكلمةِ الّتي لم يقلها أحدٌ من قبلُ، ومازلتُ ألهثُ خلفَها هائمةً في كلِّ وادٍ من وديانِ الجمالِ والفرادةِ، وقلّما نجحتُ في العثورِ على طيفٍ من أطيافِها.
 

*الكتابة رسالة تنويرية تحملها الحروف والمعاني
ما هي الرّسالة التي تحملها الشاعرة أمل طنانة في كتاباتها؟

لا أسمّيها رسالةً، لأنّها اختارتني، ولم أخترها، فقد وُلدتُ في وطنٍ ممزّقٍ، حزينٍ. لم تهبني الحياةُ أطفالًا فكانَ وطني طفلي، وباتَ همّي أن أرتقَ جرحهُ النّازفَ، ولو كانَ بما أملكُه من كلماتٍ، ودمٍ ودموعٍ وعنادٍ.
 
* كيف نستطيع من خلال أدب الأطفال أن نرسم للأجيال عزيمتها وثباتها وتمسكّها بأرضها في زمن التخلّي والذوبان في العولمة المزيفة؟


نحنُ نحاولُ أن نضمّن كتاباتِنا الكثيرَ ممّا نتصيّدُه من وجوهِ المعاناةِ في هذا الوطنِ، مبتعدينَ عن الإحباطِ واليأسِ، فالأمل والتّفاؤلُ الثّوريّ هما الأساسُ الّذي تقومُ عليهِ القصيدةُ المنشودة، مضافًا إلى عاملي الخيالِ والجمالِ، وهما أساسُ الجذبِ، وقاربا الوغولِ إلى أعماقِ الإنسانِ الطّفلِ، وكلّما شحذنا الخيالَ بالصّورِ الجميلةِ أكثرَ، امتلكنا القدرةَ على تأجيجِ الانفعالِ، والثّورةِ على الواقعِ، والرّغبةِ بالتّغييرِ، وهي خارطةُ الطّريقِ الأساسيّة نحوَ الخروجِ من شرنقةِ الظّلامِ إلى غدِ النّورِ والحرّيّة.
 

*الأمّيّة لا تقتصر على عدم القدرة على فكّ الحرف، الأميّة هي العجز عن فهم المقروء.
هل العيب في القارئ أو في المادة المقدّمة إليه؟ خاصّة أنّنا في وقت كثرت فيه الأقلام وتلاشت الفكرة?


العيبُ يكمنُ في الاثنينِ معًا، فمن جهة القارئِ: قد نضعُ آلافَ الجملِ الجميلةِ بينَ يديهِ، لكن إن لم ندرّب ذوقهُ الإنسانيَّ على تلمّس معاني الجمالِ فيها، ليحسنَ الانتقاءَ، فسوفَ نضيّع الجهدَ والوقتَ والنّتاجَ، ونكون قد فصلنا بينَ الآذانِ والقلوبِ، لتقف الكلماتُ عاجزةً عن التّغلغلِ إلى النّفسِ.
أمّا بالنّسبةِ إلى صنّاعِ الكلامِ، فالكثير من هؤلاء يفتقرونَ إلى صناعةِ الجمالِ، فيقدّمونَ الكلماتِ الباهتةِ، في قوالبَ ضبابيّةِ مبهمة، غير قادرة على الجذبِ، أو إثارةِ الدّهشةِ. هنا نخلقُ حاجزًا بينَ الكلمةِ والأذن، ونبدّدُ الجهدَ والوقتَ والنّتاجَ كذلك.
نحن بحاجةِ إلى قوّةِ وجزالةِ القصيدةِ من جهة، وارتقاءِ ونقاء الذّوقِ من جهةٍ أخرى.
 
 

* من خلال خبرتك الطويلة في مجال التدريس هل اللغة العربية بخير؟ وهل إعراض الطّلاب عنها لصعوبتها أم هو من ضمن الخطة الجديدة للمنطقة؟

لغتنا بخير وستبقى بخير، لأنّها مسدّدة بتاريخٍ من القوّة والفصاحةِ والجمالِ الّذي لا يزولُ، لكنّ مناهجنا ليست بخير، وطرائقنا في التّعليمِ ليست بخير، وإعراض المتعلّمين، والصّعوبةُ تكمنُ في أنّنا حوّلنا اللّغةَ عن معالمِ الجمالِ، إلى معالمِ الفكرةِ في سنّ مبكرةٍ، ولم نعر للخيالِ بالًا. وهوَ أساسُ الحبِّ والانجذاب، هذا النّوع من التّعاملِ القاصرِ مع الأدب أسدل على اللّغة ستارًا من السّماجةِ، وحوّل أنظارَ الأطفالِ عن جماليّاتِها، وإن كنتُ لا أستبعدُ محاولاتِ الغربِ الحثيثة والدّائبة للنّيلِ من لغتِنا، لكنّ المسؤوليّة في نفورِ أبنائِنا من لغتهم، تقع على عاتقِنا كمربّين أوّلًا وأخيرًا.

*معظم كتاباتك تتمحور حول الأرض والمقاومة وحقّ العودة
هل لهذه العناوين في أيّامنا هذه آذانٌ صاغية أو لا حياة لمن تنادي؟

المسألةُ ليست في البحث عن آذانٍ صاغيةٍ أو تعاطفٍ، فعندما أكتبُ الشّعر أكتبُهُ أوّلًا لنفسي، لمشاعري لانفعالاتي وأحاسيسي، لأرضى عن ذاتي، لأحترم نفسي، وفي الواقع لا يمكنني أن أعثر على ذاتي بعيدًا عن هذه العناوينِ، وهي عناوينُ تتآلفُ معَ عناوينِ الكثيرينَ من أبناء وطني، وآذانُ هؤلاء تكفيني لأشعرَ بالرّضا، ومن ثمّ فهؤلاء المتعاطفينَ مع قصائدي هم بالتّحديد من يملكونَ مفاتيحَ التّغيير والخلاص مهما تأخّر الوقت، وهذا يقينٌ بالنّسبة لي.
 

*مثّلتِ لبنان في الكثير من المهرجانات العربيّة.
ما هي المسؤولية التي يتحملها الشاعر عندما يشارك في مهرجانات خارج وطنه؟


المسؤوليّة الكبرى هي همّ الوطنِ، وتصويبُ النّظرةِ إلى قضاياه، فقد بتنا نعيش في زمنٍ نجحَ فيهِ الإعلامُ المعادي إلى حدّ ما، بقلبِ الصّورةِ، وتزييفِ الحقائقِ، لذا علينا أن نقدّمَ القصيدةَ ذات القضيّةِ من جهةٍ، في قالبٍ شعريٍّ راقٍ ومتينٍ من جهةٍ أخرى.
 

 *نمرّ بمرحلة ثقافة استعماريّة طاغية.
كيف السبيل للخروج من هذا الاحتلال الفكري الذي يساهم في تدمير المجتمعات؟


نحتاجُ أمام هذا الواقعِ إلى ثورةٍ في العملِ على الصّعدِ كافّةً، في المدرسة والشّارعِ والبيت والحيّ والإعلامِ والأدب والشّعر والفكر والعلومِ. في كلِّ ميادينِ الحياةِ، وهذا الأمر لن يكونَ شاقًّا مع توفّرِ القياداتِ الوطنيّة الواعية لمسؤوليّاتها، والإمكانات البشريّة الواثقة والموقنة بأنّ النّصر ممكن إذا توحّدت السّواعد، واتّصلتِ القلوبُ باللهِ تعالى.

 
* أترك لك الختام في قصيدة تهدينها لقرّاء كواليس:

ليَ الشّامُ
 

تنازعَ الرّيحَ إحجامٌ وإنعامُ
ليلٌ حزينٌ، وثغرُ الصّبحِ بسّامُ
 
دمعٌ يسيلُ على الألحانِ من وتري
ينأى لتورقَ بالأفراحِ أنغامُ
 
هي الحياةُ، وكالأثواب تُبدِلُنا
ما تُثبتُ اللّوحَ بالأحداثِ أيّامُ
 
منذُ الطّفولةِ، يعدو العمرُ في لُغتي
تؤمُّ لُثغتَهُ شمسٌ وإغيامُ
 
مُذْ كنتُ أسكبُ في أرجوحَتي صُوري
فقصتِ الحبلَ فوقَ الشّوكِ أوهامُ!
 
وكنتُ إن نزفَتْ بالجرحِ قافيتي
ماصحْتُ: أمّي، ولكن صحْتُ ياشامُ!
 
……………………………
 
تاقَ الحنينُ إلى خدّيكِ يا وجعي،
وقادتِ اللّثمَ نحوَ الوردِ أنسامُ
 
شوقي توضّأَ بالأضواءِ من صُورٍ
مؤرّخاتٍ، وللتّاريخِ أعلامُ
 
لمّا أضاءَتْ قناديلي بذاكرتي
وأيقظَ الشّوقُ من في أضلُعي ناموا
 
على ثراهُمْ أناخَ المجدُ ذروَتَهُ
وانسابَ من كهفِهِ حبرٌ وأقلامُ
 
شعرٌ يُغنّي نشيدَ الحبِّ في رئتي
يجدّدَ العمرَ عامٌ بعدَهُ عامُ
 
فليسَ لي من شبابي ليتَ توجعُني
أنا الصّبيّةُ مادامَتْ هنا الشّامُ
 
………………
 
ولي يراعٌ، إذا ما كنتُ أغمسُهُ
أضاءَ عطرًا، ولو مسّتهُ أسقامُ
 
فالياسَمينُ شفاءٌ، منذُ كنتِ لهُ
فوحًا، يضوعُ على جرحي فيلتامُ
 
وكانَ من ثغرِكِ البسّامِ منبجسًا
وكانَ للعُربِ مُهراقًا، وإن ضاموا
 
لكنَّ بعضَهُمُ باتوا على حسدٍ
لمّا بدَتْ في مدى الأحداثِ أجامُ
 
وأيقنوا أنّكِ التّاريخُ ماردُهُ
وأنّهم في كتابِ الدّهرِ أقزامُ
 
وأنّ للدّهرِ تاجًا أنتِ هامتُهُ
وأنّهم من بقايا الجهلِ أصنامُ
……………………..
 
الغافلونَ، وسادُ العارِ مضجعُهُمْ
ورنّةُ القرشِ إنْ تقرَعْ لهُمْ قاموا
 
التّائهونَ، يقودُ الحقدُ تيهَتَهُمْ
إنَّ عمّروا اللّيلَ، فالإصباحُ هدّامُ
 
ذُلّوا، فكلُّ دنيءٍ في الدّنى لهمُ
صهرٌ، نسيبٌ، وأخوالٌ وأعمامُ
 
وأنتِ في قُبةِ الأمجادِ ماجدَةٌ
ويرحلُ الكونُ أقوامٌ، فأقوامُ
 
ويُذْهَلونَ منَ النّصرِ المبينِ إذا
حطّتْ يدُ اللهِ في كفّيكِ يا شامُ؟
 
……………………..
 
لكِ التّرابُ، عناقيدُ الدّماءِ زَهَتْ
وكأسُكِ النّصرُ، أقدامٌ وإقدامُ
 
إنْ توطأِ الموتَ، يُطْلِعْ منْ أصابِعِهِ
سنابلَ العزِّ، فالصّحراءُ آجامُ
 
فكلُّ حفنةِ عشقٍ من بيادرِها
سوريَّةٍ، أصلُها حصنٌ وأهرامُ
 
وإنَّ في هضبَةِ الجولانِ ظلَّلَها
فتحٌ قريبٌ وأقواسٌ وأعلامُ
 
………………………….
 
تقدّسَتْ أرضُكِ السّمراءُ يا ذهبًا
أعصى من الحُلْمِ، لا ترقاهُ أحلامُ
 
أُمُّ، وكلُّ وجيعٍ في الدُّنى ألِمٌ
ما صاحُ: أُمّي! ولكنْ صاحَ: يا شامُ!

شاهد أيضاً

إيران وأميركا… ماذا بعد التوقيع؟

بقلم: أمين السكافي على مدى ما يقارب خمسة عقود، بدا المشهد وكأن العالم أمام خصمين …