Screenshot

بين واشنطن وزوطر… لبنان أمام أخطر اختبار منذ وقف النار

بقلم : أمين السكافي.

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات اللبنانية الأميركية، بل جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المفاوضات الكبرى مع الخرائط الأمنية الجديدة، ويُعاد رسم ميزان القوى في المنطقة على وقع الحروب والتسويات معاً. لذلك، فإن قراءة نتائج الزيارة لا تكون بعدد البيانات الصادرة أو الصور الملتقطة، بل بما يمكن أن تتركه من آثار على مستقبل لبنان، وعلى الجنوب تحديداً، وعلى معادلة الدولة والمقاومة، وعلى موقع بيروت في خارطة الشرق الأوسط الجديدة.

أولاً: ماذا أرادت واشنطن؟

تبدو الإدارة الأميركية، وفق ما صدر عنها وما تسرّب من أجواء اللقاءات، معنية بثلاثة أهداف رئيسية:

* تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية بصورة طويلة الأمد.
* تعزيز حضور الدولة اللبنانية، ولا سيما الجيش، في المناطق الحدودية بعد الانسحابات الإسرائيلية الجزئية.
* دفع لبنان إلى استكمال الإصلاحات السياسية والاقتصادية والأمنية، ضمن رؤية تعتبر أن استقرار الدولة هو المدخل لأي استقرار إقليمي.

أما الملفات الأكثر حساسية، مثل سلاح حزب الله أو أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فهي بقيت في صلب النقاش السياسي والإعلامي، لكن لا توجد معطيات رسمية تؤكد حصول اتفاق نهائي بشأنها، فيما استمرت التفسيرات المتباينة حول طبيعة ما طُرح في واشنطن.

ثانياً: ماذا أراد الرئيس عون؟

من الجانب اللبناني، بدا واضحاً أن الرئيس عون حاول تثبيت معادلة مختلفة تقوم على أن استعادة سلطة الدولة يجب أن تترافق مع انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وأن أي مقاربة أمنية لا يمكن أن تنجح إذا بقي الاحتلال والخروقات مستمرين. كما سعى إلى تأمين دعم سياسي واقتصادي وعسكري للمؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، باعتباره الركيزة الأساسية لاستعادة الاستقرار.

ثالثاً: لماذا جاءت زيارة نواف سلام إلى الجنوب؟

بعد أيام قليلة، انتقل المشهد من البيت الأبيض إلى زوطر الغربية.

لم يكن اختيار البلدة صدفة، بل حمل رسالة سياسية ورمزية مفادها أن الدولة تريد أن تكون أول الحاضرين بعد أي انسحاب إسرائيلي، وأنها تعتبر انتشار المؤسسات الرسمية جزءاً من تثبيت السيادة. وقد شدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الزيارة على مواصلة الجهد السياسي والدبلوماسي لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي وتأمين عودة الأهالي.

في المقابل، قرأ فريق واسع في الداخل هذه الزيارة باعتبارها أيضاً رسالة إلى الخارج بأن الحكومة مستعدة لتحمل مسؤولياتها في الجنوب، وأن الجيش هو المرجعية الأمنية الرسمية.

رابعاً: ولماذا تبعها قائد الجيش؟

زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى زوطر الغربية جاءت لتؤكد البعد الميداني لهذا التوجه، مع التشديد على حماية المدنيين وتأمين عودتهم وتعزيز انتشار المؤسسة العسكرية في المناطق التي تستعيدها الدولة.

سياسياً، أرادت الدولة أن تُظهر انسجاماً بين الرئاسة والحكومة والمؤسسة العسكرية، وأن الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ الميداني يتم عبر الجيش.

خامساً: الإيجابيات

يصعب إنكار وجود بعض المكاسب المحتملة إذا نجح هذا المسار، ومنها:

* تعزيز الحضور الرسمي في الجنوب.
* زيادة فرص الحصول على دعم دولي للجيش والاقتصاد.
* تكثيف الضغوط الدولية باتجاه استكمال الانسحاب الإسرائيلي.
* إعادة إحياء الدور الدبلوماسي اللبناني بعد سنوات من الشلل.

لكن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بمدى التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل ووقف الخروقات، وهو أمر لم يتحقق بصورة نهائية حتى الآن.

سادساً: السلبيات والهواجس

في المقابل، تبرز جملة من المخاوف داخل شريحة واسعة من اللبنانيين:

أولها، أن يتحول الضغط الأميركي تدريجياً من عنوان دعم الدولة إلى عنوان فرض أولويات أمنية مرتبطة بالصراع مع حزب الله.

وثانيها، أن يصبح انتشار الجيش بديلاً عن معالجة أصل المشكلة، أي استمرار الاحتلال والخروقات الإسرائيلية.

وثالثها، أن يؤدي الانقسام الداخلي حول هذه الملفات إلى تعميق الشرخ السياسي إذا شعر أي طرف بأن التوازنات الداخلية تُعاد صياغتها بضغوط خارجية.

ومن هنا، يرفض كثيرون أي انتقال من تثبيت الأمن إلى مسار تطبيع سياسي مع إسرائيل، باعتبار أن هذين الملفين ليسا متلازمين بالضرورة، وأن أي سلام أو تطبيع يبقى موضع رفض لدى جزء كبير من اللبنانيين، وهو موقف سياسي مشروع ما دام يُعبَّر عنه ضمن الأطر الديمقراطية.

سابعاً: أين يقف الرئيس نبيه بري؟

أما بالنسبة للرئيس نبيه بري، فإن المواقف المعلنة حتى الآن تُظهر أنه يدعم استعادة الدولة لكل أراضيها، لكنه يربط نجاح أي تفاهمات بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، ويرفض القفز فوق هذا الشرط. كما أكد أنه كان على تواصل مع الرئيس عون قبل توجهه إلى واشنطن، في إشارة إلى وجود تنسيق بين الرئاستين حول الزيارة.

أما ما يُتداول عن موافقته على ترتيبات سياسية أو أمنية أبعد من ذلك، فلا توجد معطيات رسمية تؤكد تلك الروايات، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها تحليلات أو تسريبات، لا حقائق ثابتة.

خاتمة

يبقى السؤال الحقيقي أكبر من زيارة إلى واشنطن، وأوسع من جولة في زوطر.

فلبنان يقف اليوم أمام مفترق تاريخي: هل يستطيع أن يستعيد دولته من دون أن يخسر عناصر قوته؟ وهل يمكن أن يفرض انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من دون أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟ وهل تنجح الدولة في توحيد اللبنانيين حول مشروع وطني جامع، أم أن الضغوط الخارجية ستعيد إنتاج الانقسامات القديمة بثوب جديد؟

الأسابيع المقبلة وحدها ستجيب. أما اليوم، فإن المؤكد هو أن لبنان دخل مرحلة التنفيذ بعد سنوات من إدارة الأزمات، وأن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بما قيل في واشنطن، بل بما سيتحقق على أرض الجنوب، حيث تُكتب في النهاية الوقائع، لا البيانات .

شاهد أيضاً

قناعُ الطفولة

د. لورانس نعمة الله عجاقة في بلادِنا، لا نزرعُ في قلوبِ أطفالِنا الحقيقةَ كما ينبغي، …