بقلم: عمرو صابح
تُعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، إذ يعتمد أكثر من مئة مليون مواطن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على هذا المحصول الاستراتيجي، بينما يرتبط به برنامج الخبز المدعم الذي يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي المصري. ولهذا، فإن اختيار مصدر القمح لا يخضع للاعتبارات السياسية بقدر ما تحكمه معايير الجودة والسعر وتكاليف النقل واستقرار الإمدادات.
وخلال السنوات الأخيرة، تغيرت خريطة واردات القمح المصرية بصورة لافتة. فبعد أن كانت أوكرانيا أحد الموردين الرئيسيين قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، أصبحت روسيا المورد الأول للقمح إلى مصر بلا منازع.
وقبل حرب عام 2022، كان القمح الأوكراني يمثل نسبة معتبرة من واردات مصر، لما يتمتع به من جودة جيدة وأسعار تنافسية، إضافة إلى انخفاض تكاليف الشحن عبر البحر الأسود.
لكن الحرب أدت إلى تراجع القدرة التصديرية الأوكرانية نتيجة تضرر الموانئ وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، فضلًا عن اضطراب سلاسل الإمداد. ورغم استمرار أوكرانيا في تصدير القمح، فإن الكميات المتاحة أصبحت أقل استقرارًا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
في المقابل، أصبحت روسيا أكبر مصدر للقمح إلى مصر لعدة أسباب، أبرزها ضخامة إنتاجها، مما جعلها أكبر مصدر للقمح في العالم، وانخفاض أسعارها مقارنةً بمعظم المنافسين، وقرب موانئها المطلة على البحر الأسود من الموانئ المصرية، وانتظام عمليات التوريد طوال الموسم، فضلًا عن جودة مناسبة لإنتاج الخبز البلدي المصري، وبنِسَب بروتين تلائم احتياجات المطاحن.
وتشير البيانات إلى أن مصر استوردت نحو 6.3 ملايين طن من القمح الروسي خلال الفترة من يوليو 2024 حتى يناير 2025، بزيادة تقارب 70% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصبح أكبر مشترٍ للقمح الروسي في العالم.
ومع ذلك، فإن الإجابة العلمية عن سؤال: «هل القمح الروسي أفضل من الأوكراني؟» هي: نعم، ولكن ليس دائمًا.
فالقمح لا تُحدِّد جودته جنسيةُ منشئه، وإنما تحددها مجموعة من المواصفات الفنية، أهمها: نسبة البروتين، ونسبة الرطوبة، والوزن النوعي للحبوب، ونسبة الشوائب، وقوة الجلوتين، وصلاحية الطحن. وقد توجد شحنات أوكرانية تتفوق على شحنات روسية، والعكس صحيح؛ لذلك تعتمد مصر على الفحص الفني الدقيق لكل شحنة قبل قبولها. إلا أن الميزة الأساسية للقمح الروسي تكمن في الجمع بين الجودة المقبولة والسعر الأقل وتوافر الكميات الكبيرة بصورة منتظمة.
وقد نجحت روسيا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانتها بوصفها المورد الأكثر موثوقية للقمح في الأسواق العالمية، ليس فقط بفضل ضخامة إنتاجها، وإنما أيضًا بفضل تطوير منظومة الزراعة والتخزين والنقل والتصدير، بما انعكس إيجابًا على جودة محصولها واستقرار مواصفاته الفنية. كما اكتسبت الشركات الروسية سمعة طيبة في الوفاء بالتعاقدات وتسليم الشحنات في مواعيدها، حتى في ظل التحديات الجيوسياسية والعقوبات الغربية، وهو ما وفر لمصر مصدرًا مستقرًا يمكن الاعتماد عليه في تأمين احتياجاتها من القمح، إلى جانب الأسعار التنافسية التي جعلت القمح الروسي يجمع بين الجودة المناسبة، ووفرة المعروض، وانخفاض التكلفة، وهو ما يفسر استمرار تفوقه في المناقصات الدولية التي تطرحها الهيئة العامة للسلع التموينية المصرية (GASC).
وتشهد منطقة البحر الأسود جهودًا متزايدة لإنشاء بورصة إقليمية للحبوب، إلى جانب تطوير منصات تداول ومؤشرات سعرية أكثر شفافية تربط المنتجين بالمشترين مباشرة. وإذا اكتملت هذه المشروعات، فإنها ستمنح الدول المستوردة، وفي مقدمتها مصر، فرصة للحصول على أسعار أكثر تنافسية، وتعزيز المنافسة بين الموردين، وتوفير آليات أفضل لإدارة مخاطر تقلبات الأسعار.
كما تناقش دول مجموعة البريكس (BRICS) إنشاء منصة مشتركة لتداول الحبوب، بالتوازي مع توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية وربط الأسواق الزراعية للدول الأعضاء. وإذا دخلت هذه المبادرات حيز التنفيذ، فإنها قد تقلل الاعتماد على مراكز التسعير الغربية، وتمنح الدول المستوردة، ومنها مصر، خيارات أوسع للحصول على القمح بأسعار أكثر تنافسية وبشروط تمويل أكثر مرونة.
ومن خلال هذه الآليات، تستطيع مصر شراء القمح عندما تنخفض الأسعار العالمية، وتنويع الموردين، واستخدام العقود الآجلة للتحوط ضد تقلبات الأسعار، والاستفادة مستقبلًا من أي منصة مشتركة للحبوب ضمن مجموعة البريكس، وزيادة المنافسة بين الشركات الموردة للحصول على أفضل سعر وأعلى جودة، فضلًا عن بناء مخزون استراتيجي عندما تكون الأسعار منخفضة، وهو ما يمنح الدولة قوة تفاوضية أكبر ويخفض فاتورة الاستيراد بمئات الملايين من الدولارات على المدى الطويل.
ولا تقتصر الفرصة أمام مصر على شراء القمح بأسعار أفضل، بل تمتد إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتجارة الحبوب في الشرق الأوسط وإفريقيا. فبفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي، وتطور موانئها على البحرين المتوسط والأحمر، وامتلاكها صوامع حديثة ذات طاقات تخزينية كبيرة، تستطيع مصر أن تصبح حلقة وصل رئيسية بين كبار منتجي الحبوب في منطقة البحر الأسود والأسواق العربية والإفريقية. كما أن تنامي التعاون الاقتصادي مع روسيا ودول البريكس، إلى جانب تطوير الممرات اللوجستية ومناطق التخزين والتصنيع، يمكن أن يحول مصر من أكبر مستورد للقمح في العالم إلى مركز محوري لتداول الحبوب وإعادة تصديرها، بما يعزز مكانتها الاقتصادية، ويوفر عائدات إضافية من الخدمات اللوجستية، ويمنحها مرونة أكبر في إدارة ملف الأمن الغذائي.
لذا تعمل مصر على بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي تقوم على تنويع مصادر الإمداد، وتعزيز الإنتاج المحلي، والاستفادة من الفرص المتاحة في تجارة الحبوب الدولية، وتطوير البنية اللوجستية، بما يضمن استقرار احتياجاتها الغذائية ويعزز دورها كمركز إقليمي لتجارة الحبوب.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
