الكاتب د. عبدالله ذبيان
هنا يتلاقى صفاء الذهن المكاني بالموسيقى المنبعثة من جوف الأرض، آلة موسيقية كأنها “صحنٌ طائر” تقتحم مغاور بين الصخور، قبل أن تعتلي أعلى نقطة تشرف على أودية سحيقة!
هنا قد تلج عالماً يخفف عنك ندوب الحياة، ويرفعك إلى مصاف الهدوء النفسي والتصالح مع الذات، مع قطرات ماء ترشح من صخورٍ تحضن جماليات دفنت كل قبيح.. وقالت له ابعد شرورك عن البشر!
ففي زمن الصخب الكوني، والضجيج الذي يلتهم تفاصيل السكينة اليومية، ثمّة زوايا دافئة في هذا العالم لا تطالها فوضى البشر.
زوايا تُولد فيها اللغة من رحِّم الصمت، ويتحوّل فيها المعدن الصارم إلى رئة تتنفس وجداً وحنيناً.
هناك، حيث يلتقي الأثير بالتراب، يقف الموسيقي الشاب إيلي حرفوش، ممسكاً بآلة الـ “هاند بان” (Handpan)، ليس كعازف يطلب الطرب، بل كمتصوّف يتهجّى أبجدية الروح في منبع الصفاء المطلق.
الراحة النفسية والقلب الهادىء
يشرح حرفوش وهو شاب لبنان من مدينة جزين – جنوب لبنان في مقابلته الخاصة مع الميادين نتأن “الهاند بان” هي آلة مصنوعة من الحديد، وقد اكتشف القدامى أن هذا الحديد يُصدر ترددات عالية تُريح النفسية والجسد. فمثلاً، إذا كنت تعزف عليها، فإن جسمك سيشعر فوراً بهذه الترددات العالية، وسترتاح نفسيتك، وستجد قلبك يهدأ. بالطبع، يعتمد ذلك في النهاية على ما تعزفه على هذه الآلة الموسيقية”.
سمفونية المعدن والأنامل الدافئة
من يراقب الشاب الثلاثيني وهو يحتضن قرصه المعدني المقعّر، يخيّل إليه أنه يمسك بصحنٍ طائر هبط للتوّ من مجرة بعيدة ليحط فوق ركبتيه. لكن، بمجرد أن تلامس أنامله تلك المنخفضات والمرتفعات النحاسية المدروسة بعناية، يتبدد الغموض الجاف للمعدن، وينساب هدير طمأنينة دافئة، كقطرات مطر خفيف يداعب قرميداً عتيقاً في ليلة تشرين الساحرة.
إنها ليست مجرد نوتات مصفوفة على مدرجٍ موسيقي، بل هي “موسيقى الروح” في تجلياتها الأنقى. يطوّع حرفوش ضرباته بحرفية العاشق، فكل نقرة هي نبضة قلب، وكل اهتزازة للمعدن هي زفرة تبحث عن الانعتاق من أسر المادة.
يعيدنا هذا الرنين إلى الفطرة الأولى، إلى زمنٍ كان فيه الإنسان ينصت لخرير الماء وحفيف الشجر ليجد صوته الداخلي.
هجوع وصفاء ونقاء
مع إيلي حرفوش يهجع المرء الى الدّعة والسكون والصفاء الذهني والانعتاق من الواقع الصعب والملمات اليومة..
الموسيقى الحقيقية لا تبدأ عندما نضرب الآلة، بل عندما يصمت العالم بداخلنا ليبدأ المعدن بالكلام.” هي فلسفة “الهاند بان” من الغموض إلى التجلي..
تتميّز آلة “الهاند بان” بقدرتها العجيبة على دمج التناقضات، فهي صلبة في مظهرها، لكنها تبثّ صوتاً يفيض بالليونة والسيولة والنعومة.
وإيلي حرفوش يدرك هذا البعد الفلسفي لآلته، فلا يذهب بها نحو الاستعراض التقني السريع، بل يترك النغمة تمتد وتتنفس في الفضاء، كبخار بخور يتصاعد ببطء في فضاء صوفي.
آلات أمست جسراً للراحة والهدوء
تتنقل ألحانه بين المقامات الشرقية بحسٍّ مرهف، وبين الفضاءات الغربية المفتوحة بروحالتأمل الطقسي (Meditation). إنها دعوة مفتوحة للمستمع ليرحل إلى داخله، ليغسل غبار الأيام المتراكم على بوابات قلبه، ويعود محملاً بجرعة من السلام الداخلي والصفاء الذهني الذي بات عملة نادرة في عصرنا الحالي.
مع إيلي حرفوش، نستمع إلى آلة “الهاند بان” وغيرها من الآلات الموسيقية النادرة التي تحاكي الطبيعة، هدير البحر، ضجيج الشلال، حفيف الأشجار، وصولاً إلى النيازك والمجرات!.
لا تعجبوا.. فمن ضمن مقتنيات حرفوش الثمينة آلة نحاسية.. وهي “التيبيتان بولز” (الأوعية التبتية)، والتي تأتي على شكل جرة ذهبية، من النيبال، ويبلغ عمرها أكثر من 4000 عام. أما تاريخها، فيعود إلى العصور القديمة في ثقافات النيبال والتبت وتلك المناطق.
القصة تروي، كما يقول حرفوش، “أن نيزكاً سقط هناك وفي المكان الذي سقط فيه، جاء أهل المنطقة يبحثون، فوجدوا أنواعاً من الحديد متروكة خلف النيزك.
وتقول الأسطورة إنهم وجدوا آنذاك 7 أنواع من الحديد قادمة من الفضاء الخارجي، وكان ضمن هذا الحديد ذهب وفضة وأنواع أخرى من الحديد، فجمعوها وصهروها معاً لصنع هذه الجرة التي تحتوي على 7 نغمات، كل نغمة تتوافق مع مركز طاقة معين في الجسم. أي أن الجسم موزع فيه سبعة مراكز أو 7 مفاتيح للطاقة”.
“الشاكرز” بـ 7 نغمات تتوافق مع مركز طاقة معين في الجسم
ويطلق على النغمات في العلم الهندي اسم “الشاكرات” أو “الشاكرز”، (السنسكريتية: चक्रं وتعني (العجلة أو الدوران ويوافقها بالعربية كلمة المقامات.) وهي تؤثر على كل شيء، ليس فقط على الراحة الجسدية، بل تؤثر أيضاً على الدم والبيولوجيا الخاصة بالجسم.
وتُعتبر “الشاكرز” نقاط الطاقة الرئيسية في الجسم، وهي تمتد على طول العمود الفقري. وقد يؤدي انسداد هذه “الشاكرات” إلى ظهور أعراض جسدية، مثل مشاكل الأمعاء، أو أعراض عاطفية، مثل الشعور بانعدام الأمان.
وهناك آلة من جوز الهند، تُستخدم لتقليد صوت الشجر. و أخرى تُقلد صوت الشتاء، أو تُقلد صوت أمواج البحر.
يردف حرفوش معقّباً “نحن، خلال الجلسات التي نقيمها بالطبع، نريد أن نصنع شيئاً يتجاوز الصوت الذهني. نعيد الإنسان ليشعر بكل تفاصيل الطبيعة، أي نجعله يشعر وكأنه جالس أينما كان، وكأنه بجانب نهر، والأشجار تتحرك حوله في الهواء، لكي يتنفس ويحضر نفسه، ويعيد عقله إلى مكان كان يشعر فيه بالأمان.
هذه الآلات أمست جسراً يعبر بنا فوق لُجج القلق المعاصر، لترسو بنا على شواطئ من الطمأنينة البكر.. حيث لا صوت يعلو فوق صوت الروح ومناجاتها الصامتة للكون.
لكن السحر الحقيقي لا يكتمل إلا بـ “المكان”
هناك، التحف حرفوش جدران الكهوف وصعد درجات الجسور، وجلس القرفصاء على أرضٍ ترشح بالمياه، وآخرى تتقد بجذوة الحديد الرنان..
اكتمل المشهد ها هنا.. ففي “متحف الشظايا” (رمحالا- جبل لبنان) الذي أسسه الفنان اللبناني شارل نصار، يكتسب عزف إيلي حرفوش بُعداً وجودياً قاهراً.
في تلك المغاور التي تحولت فيها مخلفات الحرب المقيتة وحديد القذائف القاتل إلى منحوتات تنبض بالحياة، يرتفع صوت “الهاند بان”.. هو حوارٌ مدهش بين نقيضين: حديدٌ قَتلَ يوماً وفجّرَ مفاصل الحياة، ونحاسٌ يحيي اليوم ما أفسدته تلك الشظايا.
عبر أنامل حرفوش، تلتقي موسيقى التأمل مع هندسة التدوير الإنساني لشارل نصار، فيبدو العزف وكأنه تضرّع يُتلى على أرواح المعادن المعذبة، ودعوة مفتوحة لتطهير الذات والعبور نحو ضفة السلام الداخلي، حيث النقاء هو الحقيقة الوحيدة المتبقية وسط هذا الركام.
يتركنا الشاب الملهِم موسيقياً ونفسياً مع عبارة: “إذا كنتَ تمتلك صفاءً ذهنياً وأنت جالسٌ في تأمل، فإنك تأخذ وقتك في كل شيء، وتمنحه من محبتك ونيتك الصادقة، وعندها تأخذك الحياة إلى المكان المناسب. فهذا هو معنى الإلهام الإلهي”.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net











