بقلم الكاتب نضال عيسى
في مشهد لا يليق ببلد نزف أكثر من 4000 شهيد وتدمّرت فيه قرى بأكملها، جلس الرئيس اللبناني جوزيف عون أمس في المكتب البيضاوي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. جلسة كان يُفترض أن تكون لأستعادة سيادة لبنان وانسحاب الأحتلال الإسرائيلي من الجنوب، فتحولت إلى سلسلة من علامات الأستفهام الكبرى حول مفهوم (الدولة) و(القرار الوطني).
أولى الصدمات التي سمعناها ما قيل في اللقاء الذي لم يقف عند حدود نزع سلاح حزب الله والضغط على إسرائيل. فقد طرح ترامب إمكانية (ترك سوريا مهمة التعامل مع حزب الله في لبنان) بحجة أنها ستقوم بالمهمة على نحو أفضل. طرحٌ يعني ببساطة، أستبدال أحتلال بأحتلال، وتدخل خارجي بتدخل خارجي، على مرأى ومسمع رئيس الجمهورية دون أي أعتراض.
هنا السؤال، أين السيادة التي وعد بها ترامب نفسه عندما أكد لن نوفر أي جهد لدعم سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه؟
وأين رد الرئيس اللبناني الذي يتحفنا دائما” بأن لبنان مَن يقرر وهو دولة لها سيادتها على مقترح يضع (الجولاني) أو أي طرف سوري في مواجهة فريق لبناني على الأرض اللبنانية؟ الصمت في لحظة كهذه ليس حياداً، بل هو توقيع ضمني على تفويض خارجي بإدارة الشأن اللبناني.
الصدمة الثانية بهذا اللقاء والأخطر كان ما صرح به عون من كلام حول أن (رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري يريد إنهاء العداء الدائم مع إسرائيل ويشجع على الأستمرار بالعمل لإنهاء الحرب معها. تصريح فجر ردوداً فورية، لأن دولة الرئيس نبيه بري أعلن مراراً رفضه للتفاوض المباشر مع العدو. حركة أمل نفسها أعتبرت الأتفاق الإطاري يرسخ الواقع لصالح العدو على حساب المصلحة الوطنية.
وقد سبق للرئيس عون أن نقل كلاماً عن الرئيس بري واضطر الأخير للرد عليه بعبارة (غير دقيق) . فكيف يُعاد اليوم تسويق موقف لا يملكه بري، وفي توقيت حساس تتصدر فيه واشنطن مشروع لقاء بين عون ونتنياهو برعاية ترامب؟
السفارة الأمريكية نفسها ربطت ضمانات السيادة الكاملة بعقد لقاء مباشر بين عون ونتنياهو. أي سيادة هذه التي تُشترى بلقاء مع العدو؟.
الأكثر إيلاماً أن صور اللقاء تصدرتها الضحكات والمجاملات، بينما إسرائيل تحتل مساحات واسعة من الجنوب ومئات الآلاف لا يزالون نازحين. ترامب يتحدث عن بلد عومل بطريقة سيئة للغاية، ثم يقترح حلولاً تزيد من التبعية، وعون يرد بطلب الضغط على إسرائيل بدل أن يضع على الطاولة شرطاً واحداً، إنسحاب كامل أولاً، ثم نتحدث.
حتى في الداخل، يعترف عون أن لا يمكن مقاربة موضوع الحزب بالقوة وأن الحزب ليس فقط سلاح بل بيئة، وأن المعالجة يجب أن تكون لبنانية داخلية ضمن أستراتيجية شاملة. فلماذا إذاً يُفتح الباب أمام مقترحات خارجية لمواجهته؟.
اللقاء لم يكن أنتصاراً دبلوماسياً. كان أختباراً للسيادة فسقطنا فيه.
عندما يتحول رئيس الجمهورية من مدافع عن حدود بلاده إلى وسيط ينقل مقترحات عن (سلام مع العدو الإسرائيلي) ويسكت على طرح تدخل سوري، فهنا لم يعد السؤال عن حزب الله. السؤال هو مَن يحكم لبنان؟
لبنان لا يحتاج إلى ضحكات في البيت الأبيض. يحتاج إلى رئيس قوي يقول (لا) عندما تُمس السيادة، ويقول انسحبوا أولاً قبل أي كلمة عن سلام.
غير ذلك، سنبقى نعد الشهداء… ونعد النكات.
ومرحبا سيادة يا سادة
نضال عيسى
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
