هل أصبح الخيار النووي لا بدّ منه لإيران؟ |

أحمد الدرزي

الغدر الأميركي واستهداف البنى التحتية الإيرانية وتصاعد الضغوط العسكرية قد يدفع طهران إلى مراجعة عقيدتها النووية، والانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، واعتماد الردع النووي خياراً وجودياً لمنع الحروب المقبلة.

الردع النووي: ضمانة البقاء الوحيدة؟
خلصت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تحليل لها، إلى أنّ حرب الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران قد تؤدي إلى النتيجة نفسها التي تزعم الدولتان أنّهما تسعيان إلى منعها، أي دفع طهران إلى اتخاذ قرار فعلي بإنتاج سلاح نووي. وكتب المعلق سايمون تيسدال: “مع كل قنبلة تُلقى، وكل سفينة تُحتجز، وكل تهديد مرعب بالإبادة”، يزداد دافع إيران إلى رفض الدبلوماسية، والسعي بدلاً من ذلك إلى امتلاك السلاح النووي للدفاع عن نفسها.

وأشار إلى أنّ أوساطاً في حرس الثورة باتت تعتبر أنّ الأسلحة النووية هي “الطريقة الوحيدة المؤكدة لردع الهجمات المستقبلية”.

في جوهر الأمر، تواجه إيران معضلة وجودية: إذا لم تمتلك سلاحاً نووياً، فإنّها تظل عرضة للهجمات الأميركية والإسرائيلية الهادفة إلى تغيير نظامها. وإذا امتلكت سلاحاً نووياً، فقد تجبر خصومها على إعادة حساباتهم، كما فعلت باكستان عندما ردّت على التجارب النووية الهندية، عام 1998، بإجراء تجاربها الخاصة، محققةً بذلك توازناً رادعاً في شبه القارة الهندية.

ماذا بعد الانسحاب من المعاهدة؟
لا يعني الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بالضرورة، التوجه الفوري إلى امتلاك سلاح نووي، لكنه يزيل إحدى العقبات القانونية والسياسية الأساسية أمام هذا الخيار. كما أنّ الانسحاب لا يتم بصورة فورية، إذ تنص المعاهدة على توجيه إشعار قبل ثلاثة أشهر، مع بيان الظروف الاستثنائية التي ترى الدولة أنّها عرّضت مصالحها العليا للخطر.

وإذا استكملت إيران إجراءات الانسحاب وقلّصت التزاماتها الرقابية، فقد تتوسع قدرتها على تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى بعيداً عن الرقابة التي تفرضها المعاهدة، مع بقاء طبيعة الالتزامات الرقابية الأخرى مرتبطة باتفاقات الضمانات الموقعة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووضعها القانوني.

لكن الانسحاب يحمل تكاليف باهظة، تتمثل في فرض عقوبات دولية أشد، وارتفاع احتمال استهداف منشآتها النووية بضربة استباقية، والدخول في عزلة دبلوماسية أوسع. ورغم ذلك، قد تجد طهران أنّ هذه التكاليف أقل من تكاليف بقائها عرضة للهجمات من دون امتلاك وسيلة ردع.

“إسرائيل” والولايات المتحدة: مصيرهما معلّق بنتائج هذه الحرب
تدرك “إسرائيل” أنّ مصيرها معلّق بنتائج هذه الحرب. فمشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي راهن عليه اليمين المتطرف، ينهار أمام فعل المقاومة والتحدي، بل إنّ الأمر يتجاوز ذلك. فالقيادة الإسرائيلية ليست لديها مشكلة في إبادة ملايين البشر، والحربان العالميتان الأولى والثانية ليستا بعيدتين عن الذاكرة، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بأهل المشرق الكبير؟ وأعلن نتنياهو نفسه أنّ “إسرائيل” لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، باتفاق أو من دونه، لكن هذا التهديد يفقد مصداقيته بعدما أثبتت الحرب أنّ “إسرائيل” غير قادرة على حسم الصراع عسكرياً.

وتجد الولايات المتحدة نفسها أيضاً في مأزق، فهي لا تستطيع تقبّل فشلها في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها، في الوقت نفسه، غير قادرة على شن حرب جديدة قد تكون لها تداعيات كبيرة على اقتصادها.

هل نشهد قريباً اختباراً نووياً؟
يعلم الجميع أنّ العالم دخل مرحلة جديدة من الصراع الوجودي. فإيران، التي راهنت على الصبر الاستراتيجي والالتزام الأخلاقي، تجد نفسها اليوم أمام خيار صعب: إما الاستمرار في الالتزام بمبادئها الأخلاقية والدينية، والبقاء عرضة للغدر الأميركي المتكرر، وإما الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، والذهاب نحو خيار الردع النووي الذي بات يبدو “شراً لا بدّ منه”.

وما يجعل هذا السيناريو أكثر ترجيحاً هو أنّ أحدث تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل فقدانها القدرة على التحقق من كامل المخزون، أشارت إلى امتلاك إيران نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي كمية يمكن، في حال تخصيبها إلى مستويات أعلى، أن تنتج مواد انشطارية تكفي لعدد من الأسلحة النووية.

لكن الفارق بين امتلاك اليورانيوم المخصب وتصنيع سلاح نووي قابل للاستخدام لا يقتصر على عملية التخصيب وحدها، بل يشمل أيضاً مراحل تقنية تتعلق بتحويل المادة وتصميم السلاح وجمعه وتجهيزه. ولذلك، يمكن أن تُقاس مدة إنتاج مادة بدرجة عسكرية بأسابيع، فيما تظل المدة اللازمة لتصنيع سلاح نووي مكتمل موضع تقديرات متفاوتة، ولا يمكن الجزم بها.

وعند لحظة الحسم، قد تجد إيران نفسها مضطرة إلى إجراء اختبار نووي تحت الأرض، ليس لأنها تريد الحرب، بل لأنها تريد منعها، كما فعلت باكستان عام 1998، وكما فعلت كوريا الشمالية لاحقاً. وقد يكون اختبار كهذا الرسالة الأخيرة التي توقف الإسرائيليين والأميركيين عن التفكير في مغامرة جديدة.

هل سنشهد قريباً اختباراً نووياً لا يستطيع الإسرائيليون تحمّل تداعياته، وينهي صراعاً مديداً منذ أن وطئت أقدام نابليون أرض مصر عام 1798؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أنّ المنطقة لم تعد كما كانت، وأنّ العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع قد تكون الأخطر في التاريخ الحديث.

شاهد أيضاً

ندوة “لبنان في عيون السفير” تجمع شخصيات سياسية ودينية وأكاديمية في جامعة AUL

  نظّمت جامعة AUL ندوة حوارية بعنوان “لبنان في عيون السفير”، بحضور سعادة السفير الأردني …