ما هي خيارات طهران في الإقليم ما بعد تسلّم المرشد الجديد؟
سلوى فاضل
للحرب وجوه عديدة مخفيّة وظاهرة، مباشرة وغير مباشرة، قاسيّة وناعمة. مع حزب الله كانت الحرب كذلك؛ فقد قضت على عشرات القياديين؛ والأسلحة والأعتدة والمؤسسات والبلدات ودورة الحياة الاقتصادية كافة، بل قضت أيضًا على آلاف الشبان المتعلّمين الناشطين وآلاف الاختصاصيين وعشرات النساء، وآلاف الحيوات اليوميّة المنتشرة في جبل عامل.
نام أهل الجبل في العام 2000 على فرحة التحرير، فأسسوا ورمّموا وبنوا ووسّعوا كلّ ما هو ممّيز من مشاريع تنمويّة، فبات الجنوب مقصد كل لبناني مغترب وعربي.
كانت دورة الحياة في جبل عامل لا تكتمل إلاّ بامتشاق جبل مارون الراس، بما له من دلالة للإطلالة على الجليل، وأول من فعل ذلك هم فلسطينيو لبنان ومقاوموه.
وكان ما كان في السابع من إكتوبر العام 2023. شهور وأيام وجبل عامل يُساند غزة؛ غزة الأبيّة وإن لم يُقدم العرب على المساندة، فهم أول من تخلّى عنه.
نعم دفع الجبل ثمن الإسناد، حيث لامه الكثيرون على إسناده هذا. وعلى العكس من هؤلاء كنتُ ممن إنتقد توّقف الإسناد عند مرحلة الإشغال فقط.
إلى هنا والمسألة بسيطة.. تهجّر أهالي الشريط الحدودي منذ ذاك التاريخ، وتدمّرت بيوتهم وأملاكهم واستشهد أبناؤهم. كلّ ذلك والعرب صامتون، بل إنهم لم يتوقفوا عن دعم الاعلام المحلي، المُعادي الهوى، والسير بخيارات مناهضة للمقاومة عبر إبراز حجم القواعد العسكرية الأميركية وأساطيلها بالمنطقة.
نام أهل الجنوب اللبناني، وكلّهم إيمان بقوّتهم. لكن التقانة الغربيّة كانت بيد العدو الذي ضرب ضربته القاسيّة من خلال صفقة “البايجر” المُلغّمة، واغتيال”السيد” بعد عام من حرب الإسناد، والقضاء على كبار قادة المقاومة.
هنا، وبسرعة البرق، خرجت التوقعات إلى العلن، وتفوّقت التحليلات اللبنانيّة على الذكاء الاصطناعي نفسه. مرّت الأشهر الأولى من العام 2025 في ظل صبر وتحمّل يفوقان الوصف. تحَمّل لم يعشه شعب كأهل عاملة، سُميّ بـ”الصبر الإستراتيجي”. تحملّوا طيلة خمسة عشر شهرًا ما لا يمكن وصفه إطلاقا، ولن يفهم معنى ما أحكيه سوى أهل المقاومة أنفسهم، سواء على صعيد القلق والقهر جرّاء سلسلة الاغتيالات أم على صعيد الصبر على الهجمة الإعلاميّة والسياسيّة ضد مجتمع مجروح ومُنهك.
فالناس في جبل عامل مميّزون، ليس بلهجتهم فقط، بل في حبّهم للحياة والعمل والنشاط والمبادرة والتفوّق.. لم يكسرهم عدو، فالمقاومة التي طرقت بابهم باكرًا، بدءًا من مقاومة الفرنسي إلى الإسرائيلي إلى الأميركي. ساندوا ودعموا كل مقاوم، واحتضنوا كل مقاتل، ولم يمنعوا أيّ شكل من أشكال النضال، في مقاومتهم الأمميّة.
كانوا وما زالوا يتحملّون كافة صنوف البذل، كانوا ظهيرا للقوى الوطنيّة وقبلها الفلسطينية وبعدها الإسلامية. وربما سيستقبلون مقاومة جديدة وبإسم جديد في المستقبل القريب!.
فهم تحملّوا قصف وتدمير أسس اقتصادهم الناشئ بفعل مبادرات فردية لا بفعل السلطات المُتعاقبة منذ العام 1948، وبفعل هجراتهم وانتشارهم في الداخل والخارج.
اليوم أيضًا، لم يتخلَ العامليون عن مقاومتهم رغم الأثمان التي دفعوها وما زالوا في الأرواح والأملاك، أثمانًا تفوق التصوّر، في ظل نعرات سياسيّة داخليّة من قبل أفرقاء غالبيتهم كانوا فاعلين طيلة الحرب الأهليّة ولم يرعووا، وأيدٍ متواطئة مع خارج تنفيذاً لخطة تهجير جديدة.
المقاومة قامت بواجبها وأهل الجنوب لم يُقصّروا، قدّموا ما يملكون ولا زالوا يؤمنون بقدرة المقاومة المتعاظمة تاريخيًا.
من هنا، لا بد من أن تكون قيادة المقاومة على قدر هذه التضحية الجبّارة، وإن كان شعب جبل عامل لا ينتظر رد الجميل، بل العودة وعدم تكرار مأساة الفلسطينيين.
مما يطرح السؤال التالي: ما هو مخطط المقاومة القادم لاستعادة الحياة في القرى المحتلة؟ ما هو مخطط ورؤية المقاومة مستقبلًا حيال ناسها؟ كيف يُنظر إلى مستقبل أبنائهم؟ هل ستشاورهم مستقبلًا في مخططاتها العسكرية والأمنيّة؟ هل سترسم صورا مختلفة لحياتهم الآتيّة؟ هل سيكون الخيار العسكري الخيار الوحيد لمواجهة العدو؟ أم ستسعى إلى تغيير وجهة المجتمع الجنوبي وتوجهات الأجيال القادمة؟ هل سنكون أمام خيار هدنة طويلة الأمد كما هو حال المحيط العربي ودول الطوق؟ هل ستضع المقاومة أوراقها في سلة سياسيّة إقليمية واحدة من جديد؟.
والسؤال الأبرز: من هم قادتهم الجُدد ما بعد نصرالله والخامنئي؟ من هم راسمو المستقبل الجنوبي في ظل موازين قوى إقليميّة جديدة، وفي ظل تعيين قيادات شيعيّة على رأس السلطة في طهران وبيروت وبغداد، هل ستستفيد المقاومة، ومن خلفها السلطات اللبنانية، من إقليميّة الملف لتصبح لاعبًا قويًّا في المنطقة، وهو الملف الذي لم تتمكن السلطات الرسمية اللبنانيّة الحاليّة من الاستفادة منه إطلاقًا؟
إنه مخاض عسير يعيشه الشيعة في لبنان، هي سنوات من التضحية، لا بد من أن تعقبها سنوات من الخفوت، كما هي سيرورة التاريخ، وهو أمر مُخيف، سواء أكان هذا المستقبل يتجه نحو “كربلائيّة” جديدة أم نحو هدنة صلحية حسنية على نسق صلح الإمام الحسن مع معاوية، الذي أودى إلى ما أدى إليه أي نحو تجرّع سُم من نوع آخر.
فالكربلائيّة الجديدة، إن استمرت في الفترات القادمة، تحتاج إلى قدرة فائقة على كافة الصعد، وإلى ظروف ميدانيّة وكلها بروح جديدة.
أما تجرّع السُم والصلحيّة الحسنيّة، فهو نوع من تقيّة مطلوبة لتمرير مرحلة المخاض التي تفوق في أثمانها الوصف، التي ربما تكون حتميّتها هدنة طويلة الأمد في الجنوب.
الحالتان صعبتان، لأن طهران تسعى إلى حفظ نظامها ولو على حساب القضية الأساس، فحفظ النظام من أولى أولويات العقيدة الإسلامية الشيعية فهي “دولة صاحب العصر والزمان” بحسب العقيدة الإسلامية الشيعية. لكن حساب المقاومة، اللبنانية الظروف والنتائج، يختلف كثيرًا عن حساب طهران النظام والدولة.
فالمقاومة تريد تحرير الجنوب، وتريد تشكيل فصيل وطني لمساندة فلسطين في سياق فكري عام. ونحن في لبنان استفدنا تاريخيّا من دعم إقليمي متلاحق ومستمر لتحرير الأرض، فيما يضعنا الطرف الآخر ورقة على طاولة إدارة اللعبة. إنّه نوع من تبادل خدمات قد ترتفع أسهمه، وقد تنخفض بحسب سياق واتجاه الصراع الإقليمي.
فهل ستختلف أهداف طهران عن أهداف المقاومة؟ وهل سيبقى العامليون “الجُدد” ما بعد مواجهات الثاني من آذار 2026 أوفياء لفكرة المقاومة الكربلائيّة (السِلة ولا الذلة)؟ أم سيختارون المقاومة المدنيّة التي كانت طرحًا في يوم من أيام الثمانينيات من القرن الماضي في حال لم نكن نحن في الجنوب يد السنيد الإقليمي؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
