ماذا لو كان كلُّ المجرمين يعانون من حالةٍ صحية؟

بقلم الشيخ حسن حمادة العاملي

ماذا لو كان كلُّ المجرمين يعانون من حالةٍ صحية؟ بقلم الشيخ حسن حمادة العاملي

كلما وقعت جريمةٌ هزّت ضمير المجتمع، بدأ الحديث عن المبررات قبل الحديث عن العدالة. فتارةً يُخلى سبيل هذا لأسبابٍ صحية، وتارةً يُخفَّف الحكم عن ذاك بدعوى معاناته من اضطرابٍ نفسي، وتارةً يُعفى آخر لمبرراتٍ أخرى، حتى يكاد الناس يظنون أن الجريمة لم تعد تُقاس بميزان المسؤولية والعدالة، بل بميزان المبررات، بل والمحسوبيات.
وهنا يفرض العقل سؤاله المشروع: ماذا لو كان جميع المجرمين يعانون من حالاتٍ صحية أو نفسية؟ هل نطلق سراح الجميع؟ وهل تتحول الأمراض والظروف الشخصية إلى جواز عبور للإفلات من العقاب؟
إن المرض لا يُسقط المسؤولية تلقائيًا، كما أن الاضطراب النفسي لا يعني بالضرورة انعدام الإدراك أو الإرادة. فهذه مسائل يحددها القضاء استنادًا إلى الأدلة والتقارير المختصة، لا إلى الانطباعات أو الضغوط أو الحملات الإعلامية. وإلا لما بقي للسجون معنى، ولا للمحاكم هيبة، ولا للقانون سلطان.
غير أن السؤال الأخطر الذي يطرحه الرأي العام هو: هل المعيار في مثل هذه القرارات هو ميزان العدالة حقًا، أم ميزان النفوذ والسلطة؟
هل تُطبَّق المعايير القانونية على الجميع دون استثناء، أم أنها تتبدل بتبدل الأسماء والمواقع والانتماءات؟ وهل ينال كل سجين يعاني من حالة صحية أو نفسية المعاملة نفسها، أم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا لمن يملك نفوذًا سياسيًا أو غطاءً يحميه؟

فالعدالة لا تكون عدالة إذا لانت أمام القوي، واشتدت على الضعيف، ولا يكون القانون قانونًا إذا اختلف تطبيقه باختلاف الأشخاص. إن أخطر ما يهدد ثقة الناس بالقضاء هو أن يشعروا بأن ميزان العدالة قد اختل، وأن النفوذ أصبح أقدر على تغيير الأحكام من قوة القانون.
ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود الجاني وحده. فكثير من الجرائم ليست وليدة لحظة، بل هي نتيجة سنوات من الفقر، والبطالة، والجهل، والإدمان، وتفكك الأسرة، وغياب التربية، وضعف مؤسسات الدولة في الوقاية والرعاية والإصلاح. فحين تعجز الدولة عن حماية المجتمع من أسباب الجريمة، فإنها تتحمل نصيبًا من المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن النتائج.
ولعل المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الذين يقبعون خلف القضبان هم ثمرة تقصيرٍ متراكم في إدارة الدولة، بينما يبقى من تسبب بهذا التقصير بعيدًا عن أي مساءلة. فإذا كان المجرم يُحاسب على جريمته، فمن يحاسب المسؤول الذي أهمل، أو قصّر، أو سمح بانهيار المؤسسات، أو ترك الشباب فريسة للفقر والمخدرات والعنف؟
إن العدالة الحقيقية لا تعني تبرئة المجرم بحجة مرضه، كما لا تعني تجاهل الحالات المرضية الحقيقية التي يقرها القانون والطب، وإنما تعني أن يكون الجميع سواءً أمام القضاء، وأن يُحاسب كل إنسان بقدر مسؤوليته، وأن يُحاسب أيضًا كل مسؤول أسهم بتقصيره أو فساده في صناعة بيئة تُنتج الجريمة.
فالرحمة لا يجوز أن تتحول إلى باب للإفلات من العقاب، كما أن العقاب وحده لا يكفي لبناء مجتمعٍ آمن. وبين عدالةٍ لا تعرف المحاباة، ودولةٍ تؤدي واجباتها في الوقاية والإصلاح، وحدهما يمكن أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن العدالة ليست امتيازًا لأصحاب النفوذ، بل حقًا لكل إنسان.
وفي الختام، فإن العدالة ليست نصوصًا تُقرأ، بل مواقف تُصان، وهي لا تكتمل إلا حين يكون الجميع سواءً أمام القانون، فلا تُباع الأحكام في سوق النفوذ، ولا تُعطَّل الحقوق تحت أي عنوان أو ذريعة.
ونحن، إذ نستحضر هذه المعاني، نعاهد شهداء الجيش والمقاومة الأبطال، وكل شهداء لبنان الأبرياء الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن وسيادته، في مواجهة الاحتلال الصهيوني والجماعات التكفيرية وكل من اعتدى على أمن هذا البلد، أن دماءكم لن تذهب هدرًا، ولن تتحول تضحياتكم إلى ورقةٍ في حسابات المصالح أو رهينةً لتبدلات الظروف الإقليمية والدولية.
نعاهدكم أن نبقى متمسكين بالعدالة، وأن تبقى دماء الشهداء أمانةً في أعناق الأحياء، فلا تُهمَل الحقوق تحت أي ذريعة؛ لا بحجة حالةٍ صحية، ولا بدعوى حالةٍ نفسية، ولا حتى تحت عنوان تسويةٍ سياسية أو إقليمية تُقدَّم على حساب دماء من بذلوا كل شيء لحماية الوطن.
فالأوطان التي تُفرّط بدماء شهدائها تفقد هيبتها، والدول التي تتهاون في صون العدالة تُضعف ثقة شعبها بمؤسساتها. أما لبنان الذي رُوي بدماء أبنائه، فيستحق عدالةً تليق بتضحياتهم؛ عدالةً لا تعرف المحاباة، ولا تخضع للضغوط، ولا تجعل من القانون أداةً بيد الأقوياء، بل حصنًا يحمي حق كل إنسان.

شاهد أيضاً

المربية والمناضلة اسبرنزا فخري غندور شهيدة الغدر

علي شريف  ‏لو كانت مديرة المدرسة الشهيدة يلي قتلها العدو بالنبطية، من عين سعادة أو …