حركة السلام الدائم” و”نداء جنيف” يجمعان القادة الدينيين: *هل يقودون لبنان نحو السلام؟**

سلوى فاضل

سلّطت الدعوة التي وجّهها “نداء جنيف”، بالشراكة مع “حركة السلام الدائم”، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، تحت عنوان “حماية المدنيين وتعزيز التماسك الاجتماعي: دور القيادات الدينية في لبنان”، الضوء على جملة من القضايا المرتبطة بواقع المجتمع اللبناني في ظل الأزمات المتلاحقة.
وبحسب الجهة المنظمة، تنطلق المبادرة من تداعيات الأزمات التي شهدها لبنان وما خلّفته من مخاطر على المدنيين والنسيج الاجتماعي، وتسعى إلى تعزيز حماية المدنيين، والوقاية من التوترات والنزاعات المحلية، وإشراك القيادات الدينية والروحية في جهود الوساطة والمصالحة وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي. كما تهدف إلى فتح مساحة حوار بين القيادات الدينية والفاعلين المجتمعيين للبحث في سبل الحد من المخاطر التي تواجه المجتمعات اللبنانية، والاستفادة من التجارب والمبادرات القائمة في مجالات الحماية الإنسانية والوساطة وإعادة بناء الثقة بعد الأزمات.
كما سعت الدعوة إلى توفير مساحة لحوار مفتوح بين المشاركين، بحيث يستمع الجميع إلى الجميع، ولا سيما مع اعتماد قاعدة “تشاتام هاوس” في النقاش، وهي قاعدة تُستخدم لتشجيع الحوار الصريح عبر السماح باستخدام المعلومات المتداولة دون نسبتها إلى أشخاص أو جهات محددة.
ويندرج هذا النوع من الأنشطة ضمن برامج بناء السلام، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والحد من النزاعات المحلية، التي تمولها جهات دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي، وتنفذها منظمات دولية ومحلية في لبنان، ولا سيما في ظل الأزمات الأمنية والاقتصادية، والنزوح، والتوترات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
واستندت الطاولة الحوارية، بحسب المنظمين، إلى خبرات دولية ومحلية في مجالات حماية المدنيين، وتعزيز احترام المعايير الإنسانية، وبناء السلام، والحماية المجتمعية، والتماسك الاجتماعي، وذلك “من أجل خلق مساحة حوار بين القيادات الدينية والفاعلين المجتمعيين للحد من مخاطر تصاعد التوترات، وحماية الفئات المتأثرة”.

الجلسة الاولى

وضمت الطاولة عدداً من القيادات الدينية والروحية من مختلف الطوائف والمجتمعات في لبنان، إلى جانب فاعلين في مبادرات دينية ومجتمعية تُعنى بالحوار والوساطة والمصالحة والعمل الإنساني. وهدفت إلى مناقشة الدور الذي يمكن أن تضطلع به القيادات الدينية في حماية المدنيين، والحد من التوترات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، في ظل الأزمات التي يشهدها لبنان.
وتمحورت النقاشات، على مدى يوم كامل، حول مجالات تأثير القيادات الدينية داخل المجتمعات وفي علاقتها مع الجهات الفاعلة المختلفة، كما تناولت المبادرات والتجارب التي أسهمت في الحماية والوساطة والمصالحة، وسبل ترجمة تلك التجارب إلى خطوات عملية قابلة للتطبيق.
وأشار المنظمون إلى أن هذه المبادرة تأتي في سياق وطني أوسع يشمل برامج حماية المدنيين في أوقات الأزمات، وتعزيز التماسك الداخلي، ودعم دور القيادات الدينية في الوساطة والمصالحة ومنع النزاعات، إضافة إلى بناء شبكات تواصل بين مختلف الفاعلين المحليين.
ويرى القائمون على المبادرة أن هذه الأهداف تنسجم مع برامج بناء السلام التي تدعمها جهات دولية في عدد من الدول التي تشهد أزمات، انطلاقاً من اعتبار أن القيادات الدينية تملك تأثيراً واسعاً في مجتمعاتها، ويمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تهدئة الأوضاع المحلية أو، على العكس، في تأجيجها إذا انخرطت في الاستقطابات السياسية.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة مفادها أن المؤسسات الدينية، بما تمتلكه من حضور اجتماعي ورمزي، قادرة على الإسهام في تخفيف الاحتقان، وإدارة الأزمات المحلية، وتعزيز ثقافة الحوار داخل المجتمعات، وهو ما يفسر اختيار القيادات الدينية والروحية لتكون محور هذه المبادرة.
ورغم أن المبادرة ممولة من الاتحاد الأوروبي، فإن اعتماد قاعدة “تشاتام هاوس” أتاح للمشاركين إجراء نقاشات أكثر صراحة، بعيداً عن النشر أو نسبة المواقف إلى أصحابها، مع التركيز على مفاهيم مثل “حماية المدنيين” و”بناء السلام”، وهي مفاهيم أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من برامج المنظمات الدولية والغربية العاملة في لبنان. في المقابل، يطرح بعض المراقبين تساؤلات تتجاوز الأهداف المعلنة للمبادرة. فبينما لا تتضمن الوثائق المعلنة ما يشير إلى أهداف غير معلنة، يتساءل هؤلاء عن آلية اختيار المشاركين، وطبيعة البرامج الحوارية المعدة سلفاً، ومدى ارتباطها بأولويات الجهات المانحة، ولا سيما في ظل تزايد هذا النوع من الأنشطة منذ الانهيار الاقتصادي، والحرب الأخيرة، والتوترات الأمنية في جنوب لبنان.
كما يرى منتقدون أن برامج “بناء السلام” و”التماسك الاجتماعي” الممولة دولياً قد لا تقتصر على أهدافها الإنسانية المعلنة، بل قد تحمل، في نظرهم، أبعاداً سياسية غير مباشرة، من بينها تعزيز حضور الجهات المانحة داخل المجتمع المدني، والمساهمة في إعادة تشكيل الخطاب العام المتصل بقضايا النزاع والأمن، وترسيخ مقاربات محددة لمفهوم السلم الأهلي ودور الدين في المجال العام، فضلاً عن بناء شبكات من الفاعلين المحليين المنسجمين مع أولويات الممولين.
في المقابل، يرى مؤيدو هذه المبادرات أن هذا النوع من البرامج لا يمكن فصله عن حاجة لبنان، في ظل أزماته المتلاحقة، إلى مساحات للحوار بين مكوناته المختلفة، وأن أي مبادرة تجمع قيادات دينية ومدنية حول طاولة واحدة تمثل فرصة لتخفيف التوتر، وتعزيز الثقة، وتوسيع قنوات التواصل بين الفئات المتباعدة.
ومن هنا، تبدو هذه المبادرات موضع نقاش بين مقاربتين: الأولى تنظر إليها باعتبارها أدوات لدعم السلم الأهلي وتعزيز الحوار المجتمعي، والثانية تدعو إلى التعامل معها بحذر، انطلاقاً من طبيعة التمويل الخارجي وتأثيره المحتمل في أولويات البرامج ومضامينها. وبين هذين الرأيين، يبقى تقييم نتائجها الفعلية مرتبطاً بما تتركه من أثر ملموس في المجتمع اللبناني، أكثر من ارتباطه بالشعارات أو الأهداف المعلنة.

ورغم ما يثيره هذا النوع من المبادرات من نقاشات وتساؤلات حول طبيعة التمويل الخارجي وأهدافه وحدود تأثيره، فإن ذلك لا يحجب ما يمكن أن يحققه، في حد ذاته، من نتائج إيجابية على مستوى الحوار بين اللبنانيين. فمجرد جلوس قيادات دينية وروحية من مختلف الطوائف حول طاولة واحدة، وتبادلها النقاش بصراحة بعيداً عن التشنج الإعلامي والاستقطاب السياسي، يمثل قيمة بحد ذاته في بلد يعيش انقسامات متكررة.
وقد عكست مداخلات عدد من المشاركين هذا البعد، إذ تحدث الأب نعمة صليبا عن أهمية ترسيخ مفهوم الشراكة بين أبناء الوطن الواحد، فيما عرضت القسيسة ليندا مكتبي نماذج من المبادرات التي نُفذت خلال العدوان على لبنان لمواكبة النازحين ودعمهم، كما جرى التوقف عند ما قدمه أهالي عكار من احتضان ومساندة للنازحين القادمين من الجنوب، في صورة عكست جانباً من التضامن الأهلي العابر للطوائف والمناطق.
وفي المقابل، لم تغب عن النقاشات الإشارة إلى الدور السلبي الذي قد تؤديه بعض القيادات الدينية عندما تنخرط في الاصطفافات السياسية أو تتحول إلى امتداد للسلطة، بما ينعكس على المجتمع اللبناني ويعمق الانقسامات الطائفية، في مقابل وجود شخصيات دينية أخرى تؤدي دوراً إيجابياً في نشر قيم الرحمة والتضامن وتعزيز الحوار بين الناس.
*في المحصلة*، تكشف هذه الطاولة الحوارية عن حاجة لبنان إلى مساحات للنقاش الهادئ بقدر حاجته إلى مقاربة نقدية للمبادرات الدولية التي تعمل على أراضيه. فالحوار يبقى ضرورة وطنية لا غنى عنها، كما أن مسألة مصادر التمويل وأولويات البرامج وآليات تنفيذها تبقى حقاً مشروعاً. وبين هذين الاعتبارين، يبقى نجاح مثل هذه المبادرات مرهوناً بقدرتها على خدمة المجتمع اللبناني وتعزيز وحدته، بعيداً عن أي أجندات خارجية أو استقطابات داخلية.

شاهد أيضاً

**(ترانيم بين يدي حضرة قائد القلوب )**

بسم الله الرحمن الرحيم ✍️ عبد الإله عبد القادر الجنيد ___*_**_*____ وداعاً، أبا الأحرارِ يا …