*أ.محمد البحر المحضار …*
حين يُحرم القلب قبل الجسد
والله… ما أثقل هذا الوجع، وما أمرَّ هذه الحسرة التي تقيم في القلب ولا تغادره.
إنها ليست مجرد رحلة فاتتنا، ولا مراسم غبنا عنها، بل هو شعورٌ بأن الروح بقيت معلقةً هناك، بينما حُبس الجسد بعيدًا، لا يستطيع أن يخطو خطوةً نحو من أحب.
كلما رأينا جموع المحبين وهي تتقاطر إلى ساحات التشييع، ازداد يقيننا بأن أعظم الحرمان ليس أن تعجز الأقدام عن الوصول، بل أن يبقى القلب يطرق أبواب الأمنيات فلا تُفتح له.
ونخشى… نعم نخشى… أن تكون ذنوبنا وحُجب تقصيرنا قد حالت بيننا وبين هذا الشرف العظيم؛ فكم من ذنبٍ حرم صاحبه لذة الطاعة، وكم من تقصيرٍ أغلق بابًا كان يرجو صاحبه أن يُفتح له.
اللهم إن كانت ذنوبنا هي التي أقعدتنا، فاغفرها لنا.
وإن كانت تقصيراتنا هي التي حرمتنا، فتجاوز عنها.
اللهم اغفر لنا الذنوب التي حالت بيننا وبين حضور مواطن الولاء، وبين المشاركة في تشييع أوليائك وأحبائك، ولا تجعل الحرمان نصيبنا مرةً أخرى.
يا سيدي وحبيبي يا رسول الله… يا أمير المؤمنين يا إمامي يا سيدي ياعلي بن أبي طالب… يا سيدتي يا فاطمة الزهراء البتول… يا سيدي يا أبا محمد ايها الإمام الحسن المجتبى… ياسيدي وإمامي يا أبا عبد الله الحسين… يا سيدي أبا الفضل العباس… يا سيدتي يا زينب الكبرى ياعقيلة بني هاشم… يا ايها الإمام علي بن الحسين زين العابدين السجاد… يا سادتي وموالي يا محمد الباقر… يا جعفر الصادق… يا موسى الكاظم… يا علي بن موسى الرضا… يا محمد الجواد… يا علي الهادي… يا الحسن العسكري…
يا صاحب العصر والزمان، يا بقية الله، يا حجة الله، يا قائم آل محمد…
اعذرونى على التقصير واقبلونا على اعتابكم زائرين وافدين محبين.
يا سماحة الإمام السيد القائد الشهيد علي الحسيني الخامنئي… ويا سيد المقاومة والشهادة يا سماحة العشق سيدي الشهيد حسن نصر الله…
والله ما منعنا عنكم إلا العجز، وما حال بيننا وبين الوقوف بين أيديكم إلا ما هو خارج عن إرادتنا، وما تخلفنا عن مواكب الوفاء رغبةً ولا زهداً، ولا توانياً ولا فتوراً، وإنما قُيِّدت الأجساد، أما الأرواح فقد سبقت، والقلوب فقد حضرت، والعقول والمدارك والمشاعر كلها كانت تحلّق في رحاب ذلك التشييع العظيم، وفي رحاب الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، حيث امتزجت دموع المحبين بأنين الفقد، وارتفعت أكف الدعاء مع مواكب الوفاء.
كنا هناك بأرواحنا وإن حالت الحدود بين أجسادنا وبينكم.
كنا نسير مع كل مشيع، ونهتف مع كل محب، ونبكي مع كل عين، وننحني مع كل قلب خاشع، وكأن أرواحنا ترفرف فوق الجموع، تستأذن الله أن تبلغكم سلام المشتاقين الذين أقعدهم العذر ولم تُقعدهم المحبة.
لقد سبق أن اعتصر الحزن قلوبنا حين لم نُوفق للمشاركة في تشييع الشهيد السيد حسن نصر الله، ثم تجددت اللوعة اليوم، وكأن الجراح لم تلتئم حتى انفتحت من جديد، فأصبح القلب يحمل حسرتين، والروح تعيش فجيعتين، والعين تذرف دموعًا لا تكفي لترجمة ما يختلج في الصدر.
ولم يكن ذلك وحده موطن الحسرة، بل إن في أعماقنا وجعًا آخر لا يقل عنه ألمًا؛ بل هو أشد ألم، هو وجع السنين الطويلة، بل العقد ونيف من العقد، ونحن نتطلع بكل الشوق والرجاء إلى الوقوف عند ضريح رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلى زيارة أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، وإلى أن نكون من زائري الأربعين، نسير مع السائرين إلى كربلاء، ونلبي نداء: لبيك يا حسين، إلى الشوق الكبير لمشهد الإمام الرضى، والى النجف وكربلاء، والى مدينة رسول الله وتلك القبة الخضراء.
ولكنها أمنيات طال انتظارها، ولم يأذن الله لنا بتحقيقها حتى هذه اللحظة، فازدادت القلوب شوقًا، واشتد الحنين، وتعاظمت الحسرة.
ومع ذلك… حاشا لسيدي ومولاي أبي عبد الله الحسين عليه السلام أن يردَّ محبًا قصده، أو يغلق بابه في وجه من أقبل إليه منيبًا.
وكيف نظن ذلك، وهو الذي احتضن الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله عليه بعدما جاءه تائبًا نادمًا، وقال له: “أنا الذي جعجعت بك وبأهل بيتك، فهل لي من توبة؟” ففتح له الإمام الحسين قلبه قبل يده، وقبل توبته، وجعله من خيرة شهدائه، ومن أوائل من ارتقوا تحت رايته الخالدة.
فأي ذنب اقترفناه حتى لم نُرزق بعد تلك الزيارة؟!
ليس اعتراضًا على قضاء الله، ولا يأسًا من رحمته، وإنما هي لوعة المشتاق، وحرقة المحب، وألم المنتظر.
ومع ذلك فإن ظننا بالله جميل، ويقيننا برحمته راسخ، وثقتنا برسول الله وآله الأطهار لا يخالطها شك، وحسن ظننا بسيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام أعظم من أن تهزه السنون.
فنحن على يقين بأنكم ستقبلوننا إذا أذن الله لنا بالوصول، وستحتضنوننا مهما عظم تقصيرنا، ومهما كثرت ذنوبنا، إذا صدقت التوبة، وأخلصت النية، ووفى القلب بعهده.
إنه فقدٌ عظيم، ورحيلٌ موجع، ومصابٌ جلل، لا تستطيع الكلمات أن تستوعب ثقله، ولا العبارات أن تُحيط بعظيم أثره.
إنه وجعٌ يعتصر القلوب، ويمزق الأحشاء، ويدمي الصدور، ويترك في الأرواح ندوبًا لا يداويها إلا لطف الله ورحمته.
نحن صابرون بقضاء الله، ثابتون على العهد، ماضون على طريق الوفاء، مستمرون في حمل الأمانة، ولكن الصبر لا ينفي الألم، والثبات لا يمحو اللوعة، والاستمرار لا يطفئ نار الشوق.
فقلوبنا تتمزق، وأرواحنا تتألم، وأعيننا تذرف من شدة الحزن ما لو كان للدموع نهاية لنفدت، وكأنها تنزف دمًا من عظيم الفقد، ولوعة الاشتياق، ووجع الرحيل، وهي ترى نفسها محرومة من وداع من أحبت، ومحرومة من زيارة من تهفو إليهم الأرواح.
إلهي… إننا لا نسألك إلا ألا تحرمنا مرةً أخرى من الوقوف في مواطن الولاء والوفاء، وأن تبلغنا زيارة رسولك الأعظم، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، وأئمة الهدى، وأن ترزقنا زيارة الإمام الحسين في الدنيا، وزيارة الأربعين، وشرف الوقوف عند مرقد الإمام الرضا، وأن تكتب لنا شرف الحضور بين محبيهم، وأن تجعل لنا معهم نصيبًا في الدنيا بالقرب، وفي الآخرة بالمرافقة والشفاعة.
اللهم اغفر لنا الذنوب التي حالت بيننا وبينهم، وافتح لنا أبواب التوفيق، واكتب لنا لقاء أوليائك، ولا تجعل بيننا وبينهم إلا المسافات التي يطويها لطفك، ولا الحواجز التي يزيلها عفوك، واجعل أرواحنا معلقةً بهم، وقلوبنا ثابتةً على نهجهم، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
إنك أرحم الراحمين.
*#البحر_المحضار …*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
