علي علي احمد
ليس الخراب ما يتركه الصاروخ على الحجر، بل ما يحاول أن يزرعه في قلوب الناس من يأس. غير أن بعض الأماكن خُلقت لتكذّب اليأس، ولتثبت أن الرسالة التي تبدأ بالإيمان لا تنتهي بالركام.
هكذا عادت ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات في النبطية.
لم تنتظر شركة تنظيف، ولا لجنة إعمار، ولا قراراً يعلن أن الوقت أصبح مناسباً للعودة. عادت الراهبات، وعاد الأساتذة، كما يعود أصحاب البيت إلى منزلهم. دخلوا الصفوف التي غطاها الغبار، والممرات التي ازدحمت بشظايا الزجاج والحجارة، والجدران التي ما زالت تحفظ أصداء القصف، ثم بدأوا العمل بأيديهم.
كان المشهد أكبر من حملة تنظيف. كان إعلاناً صامتاً بأن المدرسة التي ربت أجيالاً لا يمكن أن تهزمها حفنة ركام.
هناك، كانت الراهبة تحمل المكنسة كما حملت رسالتها منذ البداية ، وكان الأستاذ يرفع الحجارة عن أرض الصف الذي اعتاد أن يزرع فيه المعرفة. لم يكن أحد منهم يسأل: “من سيفعل؟” لأنهم كانوا جميعاً يعرفون أن البيت يبدأ بأهله.
كل زاوية في هذا الصرح تحمل حكاية طفل، وكل مقعد يعرف أسماء من جلسوا عليه، وكل جدار شهد أحلام أجيال كبرت ثم غادرت لتبني هذا الوطن. لذلك لم يكن الركام حجارةً فقط، بل كان قد استقر فوق الذكريات أيضاً، وكان لا بد أن تُرفع الذكريات من تحت الغبار كما تُرفع الحجارة.
هذه هي مدرسة الراهبات.
آخر من يغادر حين تشتد المحن، وأول من يعود حين يهدأ الدخان.
خمسة وسبعون عاماً وهي تقيم في قلب النبطية، لا على هامشها. عاصرت الحروب والاجتياحات والأزمات، ورأت المدينة تنهض أكثر من مرة، وكانت في كل مرة تنهض معها. تعرف أن رسالتها ليست مرتبطة بسلام الأيام، بل بحاجتها إلى الإنسان. لذلك بقيت، لأن من يزرع العلم لا يعرف طريق الهروب.
وفي زمن اختارت فيه بعض المدارس أن تغلق أبوابها، وأن تترك تلامذتها يواجهون مصيرهم، اختارت ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات الطريق الأصعب؛ أن تفتح الباب ولو كان الباب مثقلاً بالغبار، وأن تعود ولو كانت الطريق مليئة بالركام، وأن تؤمن بأن الأطفال يستحقون أن يجدوا مدرستهم في انتظارهم، كما كانت دائماً.
هذه المدرسة لم تكن يوماً مجرد مؤسسة تربوية، بل صورة مصغرة عن النبطية نفسها؛ مدينة تعرف معنى العيش المشترك، وتؤمن أن المحبة أقوى من الانقسام، وأن الإنسان هو القيمة الأولى.
ولعل أجمل ما قيل في ذلك اليوم جاء على لسان الأم الرئيسة، الأخت ماري توما، حين أعلنت أن أبواب التسجيل للعام الدراسي المقبل ستفتح، لأن الرسالة أكبر من الحرب، ولأن النبطية تستحق أن تعود إليها ضحكات أطفالها. لم يكن ذلك إعلاناً إدارياً، بل كان بيان حياة في وجه الموت، وإعلاناً بأن الشمعة التي أضاءت هذا المكان طوال عقود لن تسمح للعتمة أن تنتصر.
وهكذا، لم تكن عودة ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات إلى الحياة حدثاً تربوياً فحسب، بل كانت درساً جديداً في الوفاء.
درساً يقول إن بعض البيوت لا تُترك مهما اشتدّ الخراب، وإن بعض الرسالات لا تعرف إلا طريق القيامة، وإن النبطية، ما دام فيها من يكنس الركام بيد، ويحمل الإيمان باليد الأخرى، ستظل قادرة على أن تبدأ من جديد في كل مرة.
علي علي احمد
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
