أيُّ جيلٍ تريد MTV أن تصنع؟ بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

الشيخ حسن حماده العاملي

لم يعد السؤال اليوم عن نسب المشاهدة أو عن نجاح البرامج في استقطاب الجمهور، بل عن الرسالة التي تُبث إلى المجتمع، وعن الوعي الذي يُراد تشكيله في عقول الأجيال الصاعدة. ومن هنا يبرز السؤال الكبير: أيُّ جيلٍ تريد MTV أن تصنع؟

لقد تجاوزت بعض برامج القناة حدود الترفيه والحوار المسؤول، لتتحول إلى منصات تُطرح فيها أفكار تمس منظومة القيم الأخلاقية والوطنية، وكأن الثوابت التي قام عليها المجتمع اللبناني أصبحت مجرد وجهات نظر قابلة للتفكيك والمساومة.

ويأتي برنامج “مش مسرحية” في مقدمة هذه البرامج، بعدما أتاح، في نظر كثيرين، مساحة لطرح أصوات تدعو إلى تشريع الدعارة أو التعامل معها بوصفها خيارًا طبيعيًا ينبغي تقنينه، بل ذهبت إحدى المشاركين إلى وصفها بأنها “أقدم المهن”. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: منذ متى أصبحت الرذائل مهنًا، وأصبحت الموبقات تُقدَّم بوصفها خيارات تستحق التشريع؟ إن مجرد طرح هذه الأفكار على شاشة تدخل كل بيت لبناني يثير أسئلة مشروعة حول الدور التربوي والثقافي للإعلام، وحول المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق المؤسسات الإعلامية في مجتمع يعاني أصلًا من أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى بعض البرامج السياسية التي باتت، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، ترعى خطابًا إلغائيًا واستفزازيًا يكرّس الانقسام ويؤجج العصبيات، بدل أن يكون الإعلام مساحة للحوار الوطني وجسرًا للتلاقي بين أبناء الوطن الواحد.

والأخطر من ذلك، ما يُفهم من بعض الطروحات الإعلامية من محاولة تهيئة الرأي العام لتقبّل فكرة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، في وقت لا تزال فيه الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وانتهاكات السيادة، تشكل واقعًا مستمرًا لا يمكن تجاهله. فهل أصبحت بعض المنابر الإعلامية تعمل على إعادة صياغة الوعي الوطني بما ينسجم مع مشاريع لا تعبّر عن وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين؟

إن حرية الإعلام قيمة دستورية لا يجوز المساس بها، لكنها ليست حرية منفصلة عن المسؤولية الوطنية والأخلاقية والقانونية. فالإعلام لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع الرأي العام، ويؤثر في القيم، ويرسم ملامح المستقبل.

ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين الجهات الرسمية والهيئات المختصة من كل ما يُبث؟ وأين دور الأجهزة الرقابية في متابعة المحتوى الإعلامي عندما يثير جدلًا واسعًا حول مدى انسجامه مع القوانين والأنظمة المرعية؟ إن حماية حرية الإعلام لا تعني غياب المساءلة، كما أن احترام التعددية لا يبرر التغاضي عن كل ما قد يُنظر إليه على أنه مساس بالقيم العامة أو بالسلم الاجتماعي أو بالمصلحة الوطنية. ومن حق المواطنين أن يطالبوا الجهات المعنية بأداء دورها، وفق القانون، في مراقبة أي تجاوزات محتملة والتحقق منها، بما يحفظ الحريات ويصون المجتمع في آنٍ واحد.

إن لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى إعلام يجمع ولا يفرّق، يبني ولا يهدم، ويحصّن المجتمع بدل أن يساهم في تفكيك منظومته القيمية والوطنية.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا: أيُّ جيلٍ تريد MTV أن تصنع؟

الشيخ حسن حماده العاملي
1 تموز 2026

شاهد أيضاً

«مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي» يناشد الفعاليات اللبنانيّة والعربيّة والإسلاميّة لإنقاذ دوره التنمويّ

سلوى فاضل لم تكتفِ الحرب التي اشتعلت منذ العام 2024 ضد لبنان وشعبه بالاغتيالات والقتل …