*من نوائب البرلمان إلى نوائب الوطن

بقلم الشيخ حسن حماده العاملي*

ليس كل من جلس على مقعد النيابة استحقَّ شرف النيابة، فبعض المقاعد أنجبت رجال دولة، وبعضها الآخر أنجب نوائب حلّت على الوطن، حتى غدا الفرق بين النائب والنائبة كالفرق بين الدواء والداء.

والمؤلم أن يخرج علينا نائبٌ من نواب الصدفة، من مخلفات التوريث السياسي، يحمل أدواته إلى ساحةٍ لا تُدار بالانفعال ولا تُبنى بالصراخ، فيتوهم أن استفزاز الناس يصنع زعامة، وأن التطاول على المرجعيات والقامات الوطنية يمنحه حضورًا، وأن خطاب الانقسام يرفعه في ميزان السياسة.

وبكل صدقٍ ووضوح أقول: إن هذه العباءة التي وصفها “تَعَاسَتُهُ” بالبشعة، ليست عباءة قماشٍ ولا مظهرًا عابرًا، بل عباءةُ كرامةٍ وتاريخٍ وجهاد، هي التي صانت لبنان في محطاتٍ حرجة، وحمت اللبنانيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين بمختلف مذاهبهم، حين كان الخطر يتجاوز الحدود والطوائف ولا يميّز بين بيتٍ وبيت.

هذه العباءة نفسها التي ارتداها إمام الوطن الإمام السيد موسى الصدر، الذي نذر نفسه لله والوطن والإنسان، وجعل من التعايش الإسلامي–المسيحي ليس شعارًا سياسيًا، بل ثروة وطنية يجب التمسك بها وصيانتها وتحصينها من العبث والفتنة. وهي العباءة التي رأى فيها مدرسةً للوحدة والعيش المشترك، لا أداةً للفرقة ولا مادةً للاستفزاز.
ومن هنا، فإن الاستهزاء بهذه العباءة أو محاولة النيل من رموزها، ليس مجرد اختلافٍ سياسي، بل مساسٌ بذاكرة وطن، وبمسارٍ من التضحيات التي جمعت اللبنانيين لا فرّقتهم، ورفعت منسوب العقل في وجه جنون الانقسام.

وإنه لمن المريب أن يسعى بعض نوائب البرلمان إلى إذكاء نار الفتنة في زمنٍ يحتاج فيه لبنان إلى ما هو أبعد من المزايدات… إلى وحدة الصف، وتقريب وجهات النظر، وترميم ما تصدّع من الثقة بين أبنائه. غير أن الأخطر من الخطأ السياسي أن يتحول الخطأ إلى نهج، وأن يصبح التحريض أسلوبًا، والتمزيق مشروعًا.

وليس عجبًا أن يصدر هذا الخطاب من أصواتٍ اعتادت المراوحة بين التبعية والانفعال، حتى باتت تتباهى بالإذعان لمنطق الخارج، وتُراكم مواقف لا تخدم إلا مزيدًا من الشرخ في الداخل، بدل أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية الجامعة.

إن النيابة ليست مقامًا للغلبة، ولا منصةً لتصفية الحسابات، بل أمانةٌ ثقيلة أمام شعبٍ متنوعٍ في طوائفه ومذاهبه، متوحدٍ في حقه بالحياة الكريمة. ومن خان هذه الأمانة أسقط عن نفسه معنى النيابة، ولو بقي اسمه في سجلات البرلمان.

وسيظل لبنان، رغم كل العواصف، أكبر من خطابات الفتنة، وأوسع من ضيق بعض السياسيين، وأبقى من كل من يحاول أن يحوّل اختلافه السياسي إلى مشروع انقسام. فالأوطان لا تُبنى إلا بالعقل، ولا تُحفظ إلا بالوحدة، ولا تبقى إلا حين ينتصر فيها صوت الحكمة على ضجيج الكراهية.

شاهد أيضاً

إيران تعلّق المفاوضات: ملف هرمز وتحرير لبنان أولاً

إبراهيم الامين في مذكرة التفاهم كوّة! عادةً، عندما يُشار إلى وجود «كوّة» في مسار تفاوضي، …