خلوقات بحرية تعرقل إبحار سفن “هرمز”.. كيف؟

الكاتب د. عبدالله ذبيان

مع استئناف حركة السفن والناقلات في مضيق هرمز، يبرز لاعبٌ صامتٌ، غامضٌ، وقابع في السكون وهو المخلوقات البحرية من المحار والرخويات.. فكيف تؤثر على الحركة الملاحية؟

هناك،  حيث المياه الدافئة تبدو للوهلة الأولى هادئة، كانت ثمّة معركة أخرى صامتة تدور.

فعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، تحوّلت مئات من ناقلات النفط العملاقة، الراسية كالحيتان الحديدية، إلى جزرٍ اصطناعية مستباحة. علقت بها أسرابٌ لا تنتهي من المحار، و “بلح البحر“، و خيوط الطحالب المتشابكة، وكائنات بحرية أخرى وجدت في تلك الهياكل ملاذاً دافئاً للتكاثر.

بعد 4 أشهر من العدوان على إيران، تقف ناقلات نفط عملاقة، في عنق زجاجة مضيق هرمز الاستراتيجي، عاجزة عن الحركة أو الإبحار، ما لم يتم تحريرها وفكّ ما علق بها من أصفاد الطبيعة البحرية اللزجة.

  • Screenshot

فريق “منظفي القاع”!

إنه فصل آخر، وتعقيد إضافي يضاف إلى مشهد إعادة تدفق شريان النفط العالمي، مشهد يحاول بجهد جهيد استعادة أنفاسه بعد أشهر من العدوان، خلّف وراءه أكبر صدمة في إمدادات الطاقة العالمية شهدها التاريخ الحديث.

لكن رحلة العودة إلى عباب البحار تستلزم تطهيراً قسرياً. فالإبحار مجدداً يتطلب تجريد تلك السفن من عبئها الحيوي، مهمةٌ شاقة أُلقيت على عاتق فرقٍ جسورة من الغواصين، يتحركون تحت عنوان وظيفي، يحمل كل ملامح المشقة لفريق “منظفي القاع”!

“لاعب آخر”: المحار والرخويات!

هناك، في مضيق هرمز، الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي، لا تقف البوارج الحربية والسفن والزوارق الحربية، والغواصات، وحدها في خطوط المواجهة، بل يبرز “لاعبٌ صامتٌ”، غامضٌ، ومقبعٌ في السكون هو  : المحار والرخويات (Oysters and mollusks).

هذه الكائنات المصمتة (Solid Organs)، التي تلتصق بالصخور وبتجاويف السُّفن، تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى قوة تعطيلٍ خفيّةٍ  تضاهي بحضورها الألغام العائمة. إنها حربٌ من نوعٍ آخر، حرب البيولوجيا ضد الميكانيك، والطبيعة ضد التكنولوجيا الصارمة.

القصة قد لا تبدأ من الفولاذ فقط، بل من تلك الكائنات الرخوية الصغيرة التي قررت أن تحكم مضيق هرمز بطريقتها الخاصة!

  • Screenshot

في ممرّ مائي يُعدّ شريان العالم النابض، حيث تتزاحم عمالقة البحار وناقلات النفط الضخمة عبوراً بين الخليج وبحر العرب، يبرز مضيق هرمز ليس فقط كساحة للتوازنات الجيوسياسية الكبرى، بل كمسرح لمعركة صامتة وعجيبة طرفها الأول تكنولوجيا الإنسان اللامتناهية، وطرفها الآخر… المحار.

 “التفاصيل الصغيرة” تعطل هيبة العمالقة!

من يراقب مضيق هرمز بفضائه الاستراتيجي المشحون، قد يظن أن المخاطر التي تهدد السفن تنحصر في الأزمات السياسية أو أمواج البحار العاتية. لكن ها هنا مفارقات غريبة لا بد من في التقاطها، في القعر حيث هياكل السفن الغارقة في الماء.

 

هناك، تحت السطح، يمارس المحار “سيادة مطلقة” من نوع آخر:

-الاستيطان الجماعي: تلتصق ملايين الرخويات والمحار بالقشور الحديدية للسفن ومنافذ التبريد.
إعاقة الحركة: هذا الالتصاق الكثيف يغير من انسيابية السفينة، ما يرفع مقاومة الماء ويجبرها على استهلاك كميات هائلة من الوقود لإتمام رحلتها.

  • Screenshot

-خطر الانسداد: الأخطر من ذلك هو تسلل صغار المحار إلى قنوات التبريد داخل المحركات، حيث تنمو وتتكاثر مستغلة دفء المياه، ما يهدد بانسداد هذه الشرايين الحيوية وتعطل السفن في عرض المضيق.

  • Screenshot

 “صداع استراتيجي” لشركات الملاحة

فبين الواقعية وعمق التأمل، تحوّل هذا الكائن البسيط إلى “صداع استراتيجي” لشركات الملاحة الدولية. فالمياه الدافئة والغنية بالمغذيات في مضيق هرمز تجعل منه بيئة مثالية وتكاثرية فائقة السرعة للمحار والعوالق البحرية.

  • Screenshot

إنها مفارقة ساخرة، فالناقلة التي تحمل ملايين البراميل لتُغذي مصانع العالم وتُحرك اقتصادات دول كبرى، قد تقف عاجزة أو مهددة، لا بفعل حظر بحري، بل لأن كمشة من المحار أغلقت صمام تبريد محركها!

 

 تكلفة باهظة وحلول مؤقتة

أمام هذا الزحف الرخوي، لا تقف التكنولوجيا مكتوفة الأيدي، لكن الفاتورة دائماً باهظة:

    المشكلة                                 الحل المعتمد                                   التحدي المستمر
-التصاق المحار بالهيكل:    طلاء السفن بمواد كيميائية طاردة      التكلفة  والتأثير السلبي
– انسداد الأنابيب:              الصعق الكهربائي والكلورة              صيانة دورية وتوقف إجباري

أزمة اقتصادية خلف الستار

هذا التعطّل الصامت يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية. فكل دقيقة تأخير لبلورة هذه السفن في المضيق تترجم إلى ملايين الدولارات من الخسائر، ورفعٍ لأسعار التأمين البحري، وضغوطٍ إضافية على سلاسل الإمداد التي لا تحتمل أي هزةٍ جديدة في هذا الممر الحيوي.

وبين مطرقة الجغرافيا السياسية وسندان الطبيعة البحرية، يظل مضيق هرمز ساحةً مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث يثبت المحار، في صمته المطبق، أن أعظم التحديات قد تأتي أحياناً من أصغر الخلائق وأكثرها سكوناً في جوف البحر.

  • Screenshot

“السفن تبدو عملاقة  أمام هؤلاء الغواصين”!

و وفق  قناة CNN الأميركية فإنه “عندما تتسع الرؤية لنرى 600 سفينة راسية، وهي ترقب الأفق وتتطلع بلهفة لإخلاء المضيق، ندرك حجم المعاناة”.

ووفق المحطة “إننا أمام لوحة من العمل الجاد والمضني الذي يبتلع الساعات والجهود”،وعليه فإننا أمام:

المساحة التقريبية للقاع: $150,000 قدم مربع لكل ناقلة.

الهدف الكبير: تنظيم وتطهير أسطول يضم 600 سفينة بانتظار العبور.

تتجاوز أطوال ناقلات النفط العملاقة 1000 قدم، ويبلغ عرضها (أي بُعدها الأفقي) نحو 150 قدماً، وهذا يعني وجود مساحة سفلية تبلغ حوالى 150 ألف قدم مربع تتطلب التنظيف، حيث يتعين على الطواقم قضاء ما يقرب من 4 إلى 5 ساعات في استخدام أدوات الكشط اليدوية وآلات الغسيل بالضغط لإزالة التراكمات الحيوية عن كل ناقلة.

“فالعمل في جوهره بسيط وخالٍ من التعقيد، لكن تلك السفن تبدو عملاقة وضخمة جداً أمام هؤلاء الغواصين الفرادى الذين يواجهونها بصدورهم العارية”، هذا ما يقوله  مالك شركة “ماكولي مورينغ آند دايفينج” (لونغ آيلاند ساوند).

هي يومية صامتة تحت سطح الماء، حيث تلتقي ضخامة الآلة الفولاذية بعزيمة الإنسان الإسمنتية، وحيث تصبح النظافة معركة حقيقية لاسترداد حرية الإبحار.

 

تحت ظلال جبال مسندم الشاهقة وفي مياه هرمز اللساكنة اليوم بعد عدوانٍ سافر، ، يبقى المحار شاهداً على أن الطبيعة، بأصغر كائناتها، قادرة على فرض شروطها وإبطاء حركة التاريخ البشري المُندفع على متن السفن.

في النهاية، إنها “معركة صامتة” قد لا يلتفت لها الإعلام ولا الرأي العام، لكنها تُكلف الملاحة الدولية الملايين، وتذكّر الإنسان دائماً بأن التفاصيل الصغيرة.. قد تصنع فوارق هائلة.

شاهد أيضاً

وشوشات عدنانية٠٠٠ تراب الجنوب لوحة نابضة ٠٠٠

بقلم المهندس عدنان خليفة ٠٠٠ ويقول ابو العلاء المعري قاصداً : سر ان استطعت في …