كتب الشيخ حسن حماده العاملي*
تثير التصريحات والتقارير الإعلامية التي تحدثت عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أن تضطلع سوريا بدور في مواجهة حزب الله، أو في الحد من نفوذه داخل لبنان، جملةً من التساؤلات السياسية المشروعة حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذه الطروحات، وحول التوقيت الذي طُرحت فيه، وما إذا كانت تشكل جزءاً من مشروع جديد لإعادة صياغة الصراعات في المنطقة.
فبعد أن عجزت الولايات المتحدة الأميركية والعدو الصهيوني، رغم ما امتلكاه من تفوق عسكري وتقني واستخباري هائل، عن تحقيق الأهداف الكبرى التي أُعلنت أو رُسمت للعدوان المستمر على لبنان وإيران والمنطقة، وبعد أن فشلت رهانات كسر إرادة قوى المقاومة أو فرض وقائع سياسية جديدة بالقوة العسكرية، يبدو أن هناك من يبحث عن مسارات بديلة لتحقيق ما عجزت عنه الحروب المباشرة.
ومن هنا تأتي خطورة الحديث عن إدخال أطراف عربية أو إسلامية في مواجهة مع أطراف عربية وإسلامية أخرى، لأن ذلك ينقل الصراع من ساحته الأصلية إلى ساحات داخلية تستنزف شعوب المنطقة وتبدد قدراتها. فبدلاً من أن يبقى الصراع بين مشروع احتلالي توسعي وبين القوى الرافضة له، يصبح صراعاً عربياً ـ عربياً وإسلامياً ـ إسلامياً، يأخذ أبعاداً مذهبية وطائفية خطيرة، ويحول المنطقة إلى مسرح دائم للنزاعات والاحتراب الداخلي.
إن أخطر ما في هذه الطروحات أنها تنسجم مع استراتيجية قديمة لطالما سعت إلى تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل، وإشغالها بصراعات الهوية والمذهب والانتماء، بحيث يتحول العدو الحقيقي إلى متفرجٍ على معارك الآخرين، فيما ينعم الكيان الغاصب بمزيد من الأمن والاستقرار ويواصل تثبيت وقائعه السياسية والعسكرية على الأرض.
وفي حال نجاح مثل هذا التحول، فإن المستفيد الأول سيكون الكيان الصهيوني الذي راهن دائماً على تفتيت البيئة المحيطة به وإغراقها في صراعاتها الداخلية. وعندها تنتقل بوصلة المواجهة من مواجهة الاحتلال والعدوان إلى مواجهات بين أبناء الأمة الواحدة، فتُستنزف الطاقات والموارد، وتُهدر الدماء، وتُفتح أبواب التدخلات الخارجية على مصاريعها.
وما يزيد من خطورة المشهد حالة الصمت اللبناني والعربي الرسمي التي رافقت هذه الطروحات، وهو صمت بلغ في نظر كثيرين حد التواطؤ أو القبول الضمني بمشاريع من شأنها إعادة إنتاج الانقسامات التاريخية وتمزيق ما تبقى من عوامل الوحدة في المنطقة. ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه موقف واضح وصريح يرفض أي محاولة لتحويل وجهة الصراع وإشعال الفتن بين أبناء الأمة، جاءت المواقف باهتة أو غائبة، وكأن المطلوب التسليم بواقع جديد يراد فرضه على المنطقة.
إن المرحلة الراهنة تستدعي أعلى درجات الوعي السياسي والوطني، لأن الخطر لا يكمن فقط في الحروب العسكرية، بل في المشاريع التي تسعى إلى تحويل الانقسام المذهبي والطائفي إلى أداة دائمة لإدارة المنطقة وإضعاف شعوبها. فالأمم لا تُهزم فقط بالسلاح، بل تُهزم عندما تُستدرج إلى معارك جانبية تنسى فيها أولوياتها وقضاياها الكبرى.
ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية والقومية والإسلامية تفرض رفض كل المشاريع التي تدفع نحو الاحتراب الداخلي، والتأكيد أن استقرار المنطقة وأمنها لا يتحققان عبر إشعال الفتن بين أبنائها، بل عبر تعزيز الوحدة والتماسك والحوار، وإبقاء البوصلة متجهة نحو القضايا المصيرية التي تجمع الشعوب ولا تفرقها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
