أحلام الصوفي
في منطقةٍ لا تعرف الهدوء، يبدو أن كل اتفاق يولد وفي خاصرته بذور أزمة جديدة. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو ما وُصف بأنه انفراج سياسي بعد التفاهمات الإيرانية الأمريكية في سويسرا، عادت المنطقة لتقف على حافة تصعيد جديد مع التهديدات الإيرانية المتجددة بشأن مضيق هرمز، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، وسط مؤشرات متزايدة على وجود خلافات عميقة بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل المواجهة في المنطقة.
إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي عادي، بل شريان اقتصادي عالمي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والطاقة. ولذلك فإن أي تهديد بإغلاقه لا يُنظر إليه باعتباره خطوة عسكرية فحسب، بل رسالة سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى العواصم الكبرى وأسواق العالم بأسره.
ما يحدث اليوم يكشف أن الصراع لم يعد مقتصراً على المواجهة العسكرية المباشرة، بل انتقل إلى مرحلة استخدام أوراق الضغط الاستراتيجية. فإيران تدرك جيداً أن قدرتها على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية تمنحها ثقلاً إضافياً في أي معادلة تفاوضية، بينما تدرك الولايات المتحدة أن أي انفجار واسع في المنطقة قد يهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية ويقوض أي تفاهمات جرى التوصل إليها خلال الأشهر الماضية.
في المقابل، يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو تواجه واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. فالأزمات الداخلية تتراكم، والانقسامات السياسية تتوسع، والضغوط الشعبية تتزايد مع استمرار النزاعات العسكرية وتراجع الثقة بقدرة الحكومة على تحقيق أهدافها المعلنة. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تتحول الجبهات الخارجية إلى وسيلة للهروب من الأزمات الداخلية، وهو ما يفسر تمسك نتنياهو بخيارات التصعيد حتى في اللحظات التي تميل فيها الأطراف الأخرى إلى التهدئة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة، بل من يملك القرار النهائي في رسم مسار الأحداث؟ هل تستطيع واشنطن فرض رؤيتها على حليفها الإسرائيلي والحفاظ على التفاهمات التي تعتبرها ضرورة استراتيجية؟ أم أن حسابات نتنياهو الداخلية ستدفع نحو نسف كل ما تم التوصل إليه وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة؟
المشهد الحالي يوحي بأن هناك صراع إرادات حقيقياً خلف الكواليس. فواشنطن لا تريد حرباً واسعة قد تستنزفها سياسياً واقتصادياً، وإيران لا ترغب في التفريط بالمكاسب السياسية التي حققتها عبر التفاوض، لكنها في الوقت نفسه ترفض الظهور بمظهر المتراجع أمام أي خرق أو تصعيد إسرائيلي. أما تل أبيب فتبدو وكأنها تحاول إبقاء هامش واسع للمناورة العسكرية، حتى وإن أدى ذلك إلى إرباك الحلفاء وإشعال مزيد من التوترات.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه ورقة ضغط استراتيجية، ورسالة واضحة بأن أي تجاهل لمصالح القوى الإقليمية قد يقود إلى تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشرق الأوسط لا تحكمه القوة العسكرية وحدها، بل توازنات المصالح وحسابات الردع المتبادل. ومن هنا فإن مستقبل اتفاق سويسرا لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات، بل أيضاً في مياه هرمز، وعلى حدود لبنان، وفي أروقة القرار السياسي بواشنطن وتل أبيب.
وحتى تتضح الصورة، ستبقى المنطقة تعيش على وقع سؤال كبير: هل تنتصر لغة الاتفاقات والتفاهمات، أم أن منطق التصعيد سيقود الجميع إلى جولة جديدة من الصراع لا يعرف أحد حدودها أو نتائجها؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
