دينا الرميمة
على صفحات التاريخ التي لم تلوثها أقلام كتّاب السلاطين الأمويين بالزيف والتزوير، كتب الإمام الحسين عليه السلام بدمه الطاهر لا بالحبر مسار ثورة أسقطت كل ذرائع الصمت لتبقى مناراً لكل مظلوم وعهداً وحجة لا مجرد قصة تتساقط الدموع على أحداثها التي لم يبكها التاريخ وحده، إنما بكتْها الأرض والسماء، وأسكتت الريح، ووقف الزمن احتراماً لدمٍ سال على رمال الطف ورماد الخيام المحروقة.
ولربما كان التاريخ مذهولاً وهو يدون تلك الفاجعة الإنسانية، لكنه أراد أن يثبت لكل الأزمان التالية أن حياة الجلادين الظالمين موتٌ لا ينتهي إلا ليبتدئ بعده موتٌ آخر، فيما يموت العظماء ليخلدوا فيحيَون ألف حياة على مرّ الأزمان.
فعاشوراء ليست ذكرى انتهت باستشهاد الحسين، بل هي ذكرى تتجدد وتتكرر مع كل من يسير على نهج الحسين ويرفض المساومة على دينه ومبادئه.
وإذا ما عدنا إلى الطفّ وبحثنا بين رمالها سنجد أن الإمام الحسين لم يكن خروجه إليها خروج الأشرِ البطرِ، إنما خرج حاملاً وسامَ وشهادةَ أنه وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة.
كما لم يكن خروجه خروج الباحث عن منصب أو جاه، وهو يومئذٍ أكثر الناس جاهاً ووجاهة كحفيد النبي الكريم، سيد الأمة وخاتم النبيين، ومؤسس الدولة الإسلامية التي خضع لها العالم بأسره.
وإنه إنما أشعل ثورته عندما رأى الحق لا يُعمل به، والمنكر لا يُتناهى عنه، رافضاً الظلم، معلناً أن الحياة تحت سطوة الظالمين برمٌ، وأن الشهادة في سبيل الله سعادة. يحمل على سيفه هدف الإصلاح في أمة جده التي وقعت أسيرة شورى السقيفة التي استبدلت خلافة العترة من آل البيت بحكم الطلقاء من بني أمية، المحمّلة قلوبهم بنوايا الانتقام من الإسلام الذي سلبهم متعة استعباد الضعفاء، وساواهم بالعبيد، وقضى على أرباب الكفر من أجدادهم. ولم يكن إسلامهم إلا لاستعادة جاهٍ فقدوه، وعلى ظهر السقيفة عاد إليهم، ومعهم عادت الجاهلية ولكن بعمامة واسم الإسلام. فاتخذوا دين الله دغلاً، وعباده خولاً، وماله دولاً، في ظل فتاوى تحرم الخروج على الحاكم الفاسق الظالم حتى وصل الأمر إلى يزيد بن معاوية، المعروف ببغيه وفجوره وعداوته الشديدة لآل البيت.
فأُجبرت الأمة على مبايعته، *إلا* الإمام الحسين رفض أن يعطيهم بيده إعطاء الذليل ورأى أن البيعة كلمة فيها شرفه ودينه ومصير أمة بأكملها.
ولذلك وبعد أن كاتبه أهل العراق والشام يشكون يزيد ويطلبونه انتشالهم من حكم الأمويين، مبايعين له بالسمع والطاعة، أشعل ثورة شعارها: “ألا إن الدعي بن الدعي يخيرني بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”. وما إن وصل كربلاء حتى وجد من بايعوه بالأمس يشهرون السيف في وجهه وغيروا مواقفهم تحت تأثير بريق الذهب والفضة وحرب إعلامية شنّها عبيد الجاه والسلطة، بثت الرعب في قلوبهم من جيش يزيد، وشوهت الحسين وثورته، فخشوا عقاب السلطان، متناسين عقاب الرحمن وتركوا الحسين يواجه دولة بأكملها بالقلة القليلة من آل بيته والثلة القليلة من المؤمنين الذين امتلأت قلوبهم بحب الحسين، متمنين الموت تحت لوائه ألف مرة. فأبلوا معه بلاءً حسناً حتى استُشهدوا جميعاً، وبقي الحسين يقاتل وحيداً، يتلقى سهام الغدر والخذلان، وتتقاذف جسده وتكسر أضلاعه حوافر الخيول، حتى صعدت روحه إلى بارئها، مخلّداً على رمال الطف مشروعاً تحررياً لمناهضة الظلم يكون الانتصار فيها للدم على السيف.
بينما من خذلوه، لم يكتفوا بقتله، بل قاموا بحزّ رأسه وحملوه على أسنة السيف مع رؤوس أصحابه طامعين بوزنه ذهباً، مؤسسين بذلك فكراً داعشياً عنوانه القتل وحزّ الرؤوس. والحقيقة أن المشهد المفزع لجسد الحسين تدوسه حوافر الخيول لم يكشف إلا عورات تلك النزعات الشيطانية الآمرة بالشر، المليئة بالحقد، الناهشة في وجدان الإنسانية. وإن رأسه الشريف وهو محمول على أسنة السيف لم يكن إلا رغبة ملحة للتاريخ أن يحنّط لحظات فارقة في وجدان الإنسانية جمعاء، حين يفزع المجرمون ويجزعون ويسقطون سقوطهم المدوي على كثرتهم أمام سنام الكرامة وإن قلّت.
وأما كربلاء فليست تلك الأرض التي سال عليها دم الحسين فقط، بل هي كل أرض تسيل عليها دماء الأحرار الثائرين بثورة الحسين. رأيناها في غزة، واليمن، ولبنان، وإيران. جميعها جسّدت أحداث الطف بكل تفاصيلها، رأينا حصاراً كحصار كربلاء، ورأينا قادة يستشهدون كالحسين، ومجاهدين دافعوا عن دينهم كأصحاب الحسين، وأطفالاً استشهدوا عطشى وجوعى كعبدالله الرضيع بن الحسين، ونساءً استقبلن إخوانهن وأبناءهن شهداء بصبر زينبي مرددات: “والله ما رأيت إلا جميلاً”، متأسيات بزينب أخت الحسين.
ما يجعلنا نتأكد أن واقع الأمة المكتظ بالمآسي حدّ الترف ودم الحسين النازف حتى اليوم ليس إلا نتاج خطأ كانت بدايته السقيفة ولم ينتهِ بالطف. جعل التاريخ يطأطئ رأسه ألماً ووجْداً كلما لاحت بخاطره تلك الفجيعة الإنسانية، ولكنه يتذكر كما نتذكر نحن وكما تتذكر الإنسانية بل والوجود بأكمله أن باستشهاد الحسين خلوداً ليس كمثله خلود، ومجداً ليس كمثله مجد، وعزة لا تماثلها عزة، وكرامة تلتمس منها كل كرامة في الدنيا كرامتها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
