الدكتور جورج شبلي:

المعرفة لا تمنحنا أجوبة نهائية، بل تعلّمنا كيف نصوغ أسئلة أجمل.

-كل تجربة صادقة تترك في الفكر نافذةً جديدة على الحياة.

-بين ما نعرفه وما نجهله، يولد الشغف الذي يدفع الإنسان إلى التقدّم.

حوار: رحاب هاني خطار
موقع مجلة كواليس

في هذا الحوار الذي أجرته الأستاذة رحاب هاني خطّار مع الدكتور جورج شبلي، تتقدّم الأسئلة كأنها أبوابٌ تُفتح على الوعي، وتنهض الإجابات كأنها سيرة فكرٍ يتأمّل ذاته عبر اللغة. بين النقد والهوية، وبين الأدب بوصفه شهادةً ووجودًا، تتشكّل ملامح رؤيةٍ لا تنفصل فيها الكلمة عن مسؤوليتها، ولا ينفصل الجمال عن قلقه العميق.

١. لو اختزلنا مشوارك الأدبي في ثلاث استعارات، ما هي تلك الصور التي تعكس رحلتك الإبداعية؟
يمكن إختزال الرحلة الإبداعية بثلاث صور هي : الرؤية الرصينة التي تشرِّح بعمق ،واللغة المتينة التي تُحِيكُ الجمال ،والفكر النيِّر الذي يربط الإنسان بالإنسان.
من هنا وصفني أحد النقَّاد بالمجهر والنسَّاج والجسر .
لم أكن ناقدًا يمرُّ على النصوص بشكل عابر ،بل تعاملت مع الفكرة والكلمة بأدوات تغوص في العمق لتفكيك النص وقراءة قيمته الفكرية برؤية نقديَّة موضوعيَّة بعيدة عن الانحياز. إن الغوص في النص يُخرج للقارئ ما يختزنه النص من مخبَّآت قيِّمة خلف الكلمات ،ليقف القارئ على الجماليَّة الإبداعيَّة والتميُّز.
اللغة التي استخدمتها تجمع بين الجزالة والرشاقة. أمَّا الصفة الأساسية للغة فهي البلاغة، من هنا اعتمدت على الصورة في الكتابة لأضع القارئ أمام لوحة فنيَّة وليس أمام شقعة من الكلمات التي تصوغ الأفكار. وقصدت في أسلوبي الكتابي المتانة اللغويَّة والصياغة الراقيَّة.
لرحلتي الإبداعيَّة عنوان أساسي هو التلاقي بمعنى أن تكون كتاباتي صلة وصل بين الإنسان والإنسان، بين الأصالة والحداثة، بين الثقافة والوعي، بين النخبة الثقافية والجمهور. كل ذلك يحمل في جوهره الأبعاد الإنسانية الخصبة والترقِّي الروحي الذي يتجاوز المكان والزمان.

٢.في كتاب «مبدعون من لبنان»، متى شعرت أن حبر الأديب يفوق ختم المؤرخ؟
أنا منحاز في «مبدعون من لبنان» وفي نتاجاتي الأدبيَّة والفكريَّة جميعها إلى حبر الأديب في توثيق وجع الوطن، عندما عانيت الظروف والمحطات والمواقف المتلاحقة في لبنان. إن سير ونتاجات المبدعين الذين خصصتهم بدراسة نقديَّة ثاقبة تنضح منها مواقف إنسانيَّة ووجدانيَّة ووطنية معبِّرة. وقد قيل: يبدأ الأدب حيث ينتهي التاريخ.
أمَّا إنحيازي إلى حبر الأديب فيعود إلى ما يلي:
المؤرخ يبحث عن الوثيقة أو الواقعة في حيثيّتها التاريخية زمانًا ومكانًا، وهذا توثيق خارجي ومحدود الزمان والمكان. أمّا الأديب فإنه يوثّق الحدث في الوجدان: وقعه وتأثيره (المؤرّخ سجّل الأحداث _ الأدب روح الوطن).
المؤرِّخ بحسب ابن خلدون يمكن أن يقع في أخطاء منها انقياده إلى المصلحة الخاصة بمعنى أنه ولمصلحته يمكن أن يشوِّه الحقيقة ويزيِّف الوقائع. في حين أن حبر الأديب يعكس بدقة المجريات وتأثيرها من قهر أو جوع أو ضياع حقوق… الأدب يعطي الحدث صوتًا ونبضًا، من هنا يصبح الحبر وثيقة أصدق من ختم المؤرّخ.
إن ما يحمي هويَّة لبنان من التلاشي والاندثار ليس الأرشيف الرسمي بل الإرث الثقافي الإبداعي. الحبر يمتلك خاصية الديمومة والخلود ويحمل أبعادًا وطنيَّة ولائية ترتبط بالانتماء والإخلاص الوطني، في حين أن ختم المؤرّخ قد يُطوى أو يبهت عندما تتبدل الأنظمة السياسية.

٣. في زمن الضجيج، كيف تروَّض الكلمة؟ وهل الأدب اليوم ملاذ ذاتي أم موقف أخلاقي؟
في زمن الضجيج والمنصَّات الرقميَّة يكمن التحدِّي الأكبر في ترويض الكلمة ليبقى للإبداع ملامحه الحقيقية.
ترويض الكلمة لا يعني تدجينها أو تكميمها بل إبطاء إيقاعها وتجريدها من الاستعراض والضجيج.
ويمكن للكلمة أن تعيد للذاكرة سكينتها من خلال ثلاثة أبعاد:

توجيهها نحو التفاصيل التي يمكن أن يُصيبها النسيان، فالتفاصيل مكابح.
إعادتها إلى براءتها الأولى وبساطتها وعمقها في آن معًا بعد أن أصبحت مستهلكة بالإعلانات وتبحث عن الإعجابات (وهكذا تستقرُّ في الوجدان).
العزلة اللغويّة لإعادة الهدوء إلى الذكريات: كلمات قليلة النبرة كثيفة المعنى.
فالكلمة الهادئة هي كالحصاة التي تُرمى في بحيرة تُحدث على سطحها تموجات لا تُحصى ولكن من دون صخب.
الأدب هو ملاذ ذاتي وموقف أخلاقي معًا (يبدأ ملاذًا داخليًا ويتحوَّل موقفًا أخلاقيًا ينطلق نحو الآخر).
الأدب هو ملجأ طوارئ داخلي نفسي نهرب إليه بعد أن تحوَّل الإنسان إلى رقم أو مستهلك.
الأدب يحمي هوية صاحبه من الذوبان في الكل المتسارع، ويبحث عن أنا أخرى تشبهه وعن لحظة تفصله عن ضجيج الحياة المادية.
وعندما يخرج النص إلى العلن من صومعة العقل يصبح موقفًا أخلاقيًا: هو احتجاج ضد التزييف وتسطيح الفكر وموت التعاطف الإنساني.
وعندما يكتب الأديب عن وجع الناس أو يوثِّق لانتهاك الحريات وضرب القيم فإنه يواجه القبح والقهر… ويصبح شاهدًا على العصر.
خلاصة: الأدب ينقذنا من التلوث بالضجيج ويقول للعالم إن الإنسان ليس آلة وإن الذكريات ليست ملفات بل جوهر وجود الإنسان عبر الزمن
حين تتكلم الصورة بسرعة، تأتي الكلمة لتمنحها عمق السؤال لا لحظة الانبهار فقط.

٤. كيف تنظر إلى الذكاء الاصطناعي في الساحة الثقافية؟
هناك من يعتبر الذكاء الإصطناعي مجرَّد أداة معلوماتية كالحاسوب؛ وهناك من يراه كيانًا يملك القدرة على توليد المعنى وصياغة العاطفة ومحاكاة الخيال.
هناك ثلاث مقاربات للذكاء الإصطناعي على الساحة الأدبية والثقافية:

أ. إنه مرآة مضخِّمة للمخزون البشري تتغذَّى من جمع النصوص التي كتبها الإنسان عبر العصور.
ويعيد تقديم الإنسان إلى ذاته، ويجمع تشتت الثقافات ويصهرها في قوالب لغويَّة متقنة.
هو ليس بديلاً عن الثقافة بل هو المستودع الكوني الذي يُعيد صياغة ما أودعه الكتّاب فيه برؤى جديدة.

ب. هناك من يخاف من أن يهدِّد أدب الآلة قدسيَّة التجربة الإنسانية؛ الخوارزميات لا تملك وطأة الوجع والقلق الوجودي ولحظة التجلِّي العاطفية أو الصوفية… إن غزارة الإنتاج الآلي تؤدِّي إلى تسطيح التذوّق الأدبي.

ج. الذكاء الإصطناعي يجب أن يكون شريكًا لا بديلًا ولا منافسًا. الآلة تساعد في البحث والتدقيق، لكن الإنسان يبقى صاحب الوعي والموقف والوجدان.

د. الخلاصة: الأبوّة الإبداعيَّة تعود للإنسان الأديب لا للآلة أو النظام المبرمَج.

٥. في عصر الإمبراطورية البصرية، هل ما زالت الكلمة تملك سلطة التغيير؟
في عصر الإمبراطورية البصرية، يُظَنّ بأن الكلمة تراجعت. لكنّ الكلمة لم تفقد قيمتها بل تغيَّرت وظيفتها.
الصورة حالة فورية تملك القدرة على تحريك المشاهد عاطفيًا بسرعة فائقة، لكنَّ هذه الإثارة البصرية غالبًا ما تكون مؤقتة آنيّة وقابلة للزوال.
الكلمة تحوِّل المشهد من صورة سطحيَّة تقول (ماذا حدث؟) إلى سؤال (لماذا حدث وكيف نغيِّره؟) بمعنى تحويل التعاطف العابر إلى موقف وقناعات، وهكذا، بدون كلمة تبقى الصورة عمياء.
إذا كانت الصورة هي جسد التغيير فالكلمة هي روحه وعقله الموجِّه، فهي تملك سلطة التغيير لأنها تملك مفاتيح العمق الإنساني.

٦. من بين قامات الإبداع اللبناني من هو الذي تحوّل إلى نص يجسّد لبنان؟
حين نبحث عن قامة لبنانيَّة مبدعة ما اكتفت عن جعل الوطن موضوعًا لها بل تحوَّلت هي نفسها إلى نصٍّ يجسِّد روح الوطن بكيانه وأزليته، فإن الأنظار تتجّه إلى مجموعة من القمم والتي انصهرت الهويَّة اللبنانيَّة في كينونتها حتى بات من المستحيل الفصل بين الكاتب والمكتوب. لكنَّ جبران خليل جبران يبقى لبنان معه هو الفكرة والروح الأزليَّة.
فجبران لم يكتب عن لبنان كجغرافيا أو سياسة، بل حوّله إلى حالة صوفيَّة ونبوءة عابرة للأزمنة.
لم يكن جبران في المهجر يتذكر لبنان بل كان يعيشه كوجع يومي وحلم دائم. لبنان الذي كتبه في الأجنحة المتكسّرة وفي رسائله، صار هو ذاته جبران، متمردًا كعواصف وادي قاديشا، متساميًا كأرز الرب، مُثقَلًا بأحزان الشرق. عندما نقرأ جبران نحن لا نقرأ عن لبنان بل نستنشق أرزه وبخوره وقلق إنسانه. لقد صاغ جبران هوية لبنان الروحية التي طافت العالم فصار العالم يرى لبنان بعين جبران، ويرى جبران في أرز لبنان.
جبران لم يكتب عن لبنان مستخدمًا الحبر بل ذوَّب ذات لبنان في ذاته فصار لبنان يُقرأ من خلال جبران وإذا أراد أحدهم أن يعرف ما هو لبنان؟ يفتح كتاب جبران.

الإبداع الحقيقي لا يُقاس بما يُقال، بل بما يتركه من أثرٍ في وعي القارئ بعد الصمت.

٧. ما القلق الذي يلازم قلمك مهما تنوّعت الموضوعات والمنابر؟
القلق الذي لا يزال يلازم قلمي هو قلق الهوية والأصالة في مواجهة التشتت والإنحدار الثقافي.
-الخوف على الوطن من أن يفقد مبرر وجوده الثقافي والحضاري. ومن أن يتحوَّل مجرد جغرافيا مقسَّمة طاردة لأبنائها مقزِّمة لتراثها،ساحة لتصفية الحسابات.
-الخوف على لغة الضاد من التّهجين والركاكة.إن موت اللغة يؤدي حتماً إلى موت الهويَّة القومية والفكريَّة .من هنا نواجه معركة وجوديَّة للدفاع عن مقَدَّسَين : الوطن واللغة
-القلق من أن يتحوَّل الإنسان إلى كائن رقمي منفصل عن قضاياه الأخلاقية الوجوديَّة وهكذا يغيب الإبداع الحقيقي القائم على الصدق والموهبة ليحلّ الإنتاج النمطِّي الجاف.
-الخوف على جماليَّة الوجود من زمن القبح والتسطيح والفراغ وابتلاع الجمالية من رمال ما نسميه الحداثة

٨. كيف تُحفظ “الدهشة الأولى”من التآكل وسط سجالات الواقع اليومية؟
الدهشة الأولى هي عملية إنقاذ لشريان الإبداع في لبنان كما في المنطقة والعالم. هناك بيئة تضجُّ بالسجالات السياسية وبالأزمات الضاغطة اقتصاديًا وبالأخبار التي تبتلع الانتباه والهدوء ويصبح التآكل هو المصير الحتمي لأي فكر ما لم يُحصِّن نفسه. والحماية تكون:

صنع مسافة أمان تفصل المفكِّر عن الضجيج المتمثل بالسوشال ميديا والسجالات السياسية العقيمة التي تلوّث العقل ونقاء الرؤية، فيحوّل الكاتب صومعته مساحة مقدسة وينصرف إلى معالجة القضايا الكبرى بالكتابة.
الارتباط بالأرض والجذور والطبيعة والأصالة.
رفض الإحباط بأخذ الأزمات لصياغتها بقالب فلسفي.
منع وصول اليأس إلى الوعي التاريخي.
يبقى المفكِّر في الواقع لا منه، يروّض الواقع بالكلمة ولا يسمح للواقع بأن يروّض روحه.

٩. بين الجمر والنور، هل الصمود الثقافي في هذا الشرق قدر أم خيار؟
الصمود الثقافي ليس قدراً أعمى مستسلماً بل هو خيار واع ومسؤولية وجودية بامتياز.
انطلاقاً من مفهوم الجمر (المعاناة الحرب التحديات)ومفهوم النور (الوعي الفكر الإنبعاث الحضاري)
يمكن تحديد الأبعاد:
-الصمود خيار واعٍ يشكِّل فعل مواجهة واعية.
-كيفية التعامل مع “ الجمر “ بعدم الإستسلام لرماده، وإلى تحويله طاقة تنوير، وإلى جسر نحو الإنبعاث الجديد.
-الصمود واجب حضاري وأخلاقي للدفاع عن الإرث المشرقي والحفاظ عليه من الإندثار.
-الصمود هو القرار الحرّ الذي يتخذه المفكِّر حتى لا يبتلع الجمر النور، وملامح الإنسان فيه.

١٠. حين تلامس كتابتك جرح لبنان، كيف تُكتب تجربة وجع الوطن؟
أنا لا أقف عند حدود الوصف البارد بل أغمِّس قلمي في عمق الوجع اللبناني.وعندما أقوم بذلك يرشف حبري حيثيّة تجمع بين الأمل بالشفاء والأمانة بالتعبير عن الألم.
-أنا ملتزم بالأمانة ولست شاهد زور مزيِّفاً للواقع. أكتب بصدق ونقاء وبلا مواربة.
-حمل المسؤولية هو التزام وطني وأخلاقي ويعني الإتصاف بالجرأة لمواجهة كل الموبقات التي تعمل على أن يَلِج الوطن باب جهنّم.
-الأمل بالشفاء هو الوقود المحرِّك والهدف الأسمى المبتغى. أنا لا أكتب للوقوف على الأطلال أبكي واستبكي، لكنني أكتب إيماناً منّي بالقيامة المرجوَّة، وهي ليست أملاً ساذجاً أو تفاؤلاً غبيّاً بل فعل إيمان بوطن لا يمكن أن يموت، وهو قادر على النهوض بالرغم من المؤامرات والأزمات. فلا يأس قاتل.
-أطرح المعادلة التالية:الأمل هو الممرّ، والشفاء هو المقرّ. الكلمة الصادقة هي أولى خطوات التعافي والقيامة.

١١. لو كتبت رسالة إعتراف للثقافة اللبنانية اليوم ،عن اي خيبة تعتذر وأي وعد تقطعه على نفسك كأديب؟
الإعتذار عن خيبة هو ليس اعتذاراً عن ذنب أو موبقة اقترفتها تجاه الثقافة، بل عن عدم تمكُّن جماعة الثقافة، وأنا منهم، عن مواجهة الإنهيار في١ مستوى الحركة الثقافية التي اجتاحتها لوثة الصخب التكنولوجي،ما يشبه انحسار الطبخة اللبنانيَّة التراثية أمام الوجبات السريعة.

-وهو اعتذار عن عدم مواجهة اغتراب الجيل الجديد عن اللغة العربيَّة التي اعتبرها كثيرون “أنتيكة” أو تراثاً مهجوراً أصبح من الماضي وليس من الحياة اليوميَّة.
وهو اعتذار عن استمرار الجرح النازف من جسم الوطن من دون القيام بحماية لبنان الرسالة، ومنعه من السقوط في سراديب الهمجيَّة والإنحطاط والتبعيِّة، وانهيار مفهوم الإنتماء والولاء والذي لطالما تغنّى به المبدعون.

-أما الوعد الذي سألتزم به فهو الوعد بمواصلة نحت الجمال، وفيّاً لأصالة التعبير الأنيق ولجزالة الأسلوب أمام الركاكة التي غزت العصر. والوعد بالإستمرار في البحث عن المبدعين الذين لم أكتب عنهم بعد. صوناً لسيرهم وتراثهم. وهكذا أحاول ان أربط بين الجيل التائه والمؤدلج تكنولوجياً، بجذوره الثقافية، مانعاً الذاكرة من التلاشي. والوعد بمتابعة الدفاع بالقلم عن لبنان بأمانة وموضوعيَّة أملاً بالوصول الى القيامة الحقيقيَّة.
بعد أن نمنا طويلاً على مجد الحرف حتى سُرق منا الهيكل، أنا أعدُ بأنّ محبرتي لن تلفظ رمقها لتبقى الكلمة اللبنانيَّة صلبة كالصَّخر، وصافية كالثلج،
وعاصية على الإنكسار.

١٢. ما الذي يحمله كتاب «صفوة الإبداع»؟
صفوة الإبداع هو آخر الثلاثية النقديَّة التي تعامَلَت مع الإبداع الجمالي في الأدب والفكر والفن، بعد “مبدعون من لبنان” و “قامات ومقامات”.

يحمل “صفوة الإبداع” جملة من الرسائل والدعوات:
_الرسالة الأساسية هي أن الإبداع ليس ترفاً جمالياً بل هو الأداة الأقوى لحماية الهوية الإنسانية والثقافية في زمن الإنهيارات والتراجع في الشرق خصوصاً الذي يتآكله الجمر، فيأتي هذا الكتاب ليعلن ضرورة انبثاق الصفوة من الفكر والأدب والفن والتي تصنع النور القادر على بثّْ البقاء والخلود.
-الرسالة الثانية هي الإنتصار للأصالة والعمق في عصر الشاشات السريعة والمحتوى السطحي بمعنى ان الكتاب يحمل ثورة أو انتفاضة مدويَّة في وجه الركالة والإسفاف، مدافعاً عن العقل والعمق والنقد الرصين، ومعيداً للكلمة هيبتها وفصاحتها.
-الرسالة الثالثة هي حراسة الذاكرة وفاءً للمبدعين الذين حصَّنوا وجدان الثقافة بنتاجاتهم القيّمة. فالأسماء المبدعة كثيرة ،وأصحابها يشكلون النخبة الثقافيَّة الفكريَّة والإبداعيَّة،وعلينا أن نجعل منهم المرجعية الكفيلة باستعادة القيمة للفكر والأدب والفن.
أما ما أريد من القارئ أن يلتقط بين سطور ” صفوة الإبداع” فهو:

أن يدرك أنّ خلف كل نص أو لوحة فنيِّة أو فكرة فلسفيَّة
هناك قلق وجودي ونبض إنساني صادق. أريد من القارئ أن يلتقط الرُّوح الكامنة وراء الحبر، وليس مجرَّد القراءة بهدف الإتقان اللغوي.
الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن الموقف الأخلاقي، فالنُّخبوية ليست مجرَّد زينة بل هي نتيجة لصدق المبدع وموهبته الفذَّة وأمانته تجاه قضايا الإنسان والمجتمع والوطن.
-الطلب إلى القارئ أن يُبطئ خطوته أي التمهُّل وإعادة القراءة بتأنٍ لإدراك الجوهر وتذوُّق الأبعاد الجماليِّة.
-التأكيد على ان يدرك الجيل الجديد أن كباراً مروا من هنا وتركوا إرثاً لا يُمَّحى، وهكذا فعلى هذا الجيل تحمُّل مسؤولية الإعتراف بهؤلاء الكبار والحفاظ على إرثهم القيِّم، وذلك حفاظاً على المستقبل الثقافي الذي ليس مسموحاً أن يكون باهِتاً.

شاهد أيضاً

( للبيت ربً يحميه)

بقلم الكاتبه/بُنيان المهدي بيتً مباركً هو أول بيتً وُضع للمسلمين رائحة المسكُ تملئ المكان من …