ليست كلُّ بيئةٍ تُربّي الإنسان على الوعي، فبعض البيئات تُتقن تشويه المعايير حتى يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين القيمة الحقيقية والضجيج العابر.
وفي البيئة المشوّهة تحديدًا، لا تُقاس الأفعال بعمقها أو أثرها الإنساني أو الأخلاقي، بل بعدد المصفّقين لها، وهنا تبدأ الكارثة الكبرى:
حين تتحول الكثرة إلى مرجع يمنح الشرعية، لا إلى مجرد رقم.
فالإنسان كائن يتأثر بالقبول الجمعي، ويخشى العزلة أحيانًا أكثر من خوفه من الخطأ، لذلك تنشأ سلوكيات كثيرة لا لأنها صحيحة، بل لأنها محاطة بالتصفيق.
ومع الوقت، يتحول التصفيق إلى سلطة خفية تصنع الذوق، وتعيد تشكيل الوعي، حتى يصبح الإنسان أسير الصورة التي تراها الجماعة، لا الحقيقة التي يشعر بها في داخله.
لكن البيئة المشوّهة اليوم لم تعد مجرد دائرة اجتماعية ضيقة، بل تحولت إلى منظومة رقمية هائلة تُديرها خوارزميات منصات التواصل، حيث لم يعد الهدف الحقيقي نشر المعرفة أو بناء الوعي، بل احتكار انتباه الإنسان لأطول وقت ممكن وتحويله إلى مستهلك دائم للتفاعل.
هذه المنصات لا تعمل ببراءة؛
إنها تعتمد على هندسة “مكافآت الدوبامين السريعة”، عبر المقاطع القصيرة والتنبيهات المتلاحقة والتدفق اللامنتهي للمحتوى، حتى يعتاد العقل على الإثارة الخاطفة ويفقد تدريجيًا قدرته على التأمل والتركيز العميق.
وهنا يصبح الإنسان أكثر قابلية للانقياد، لأن البيئة الرقمية لا تكافئ العمق غالبًا، بل تكافئ ما يثير الانفعال الفوري:
الصدمة، الفضائح، السخرية، الاستعراض، والغضب.
لقد نشأ ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الغضب”، حيث تُرقّي الخوارزميات المحتوى الأكثر استفزازًا لأنه الأكثر قدرة على جلب التعليقات والمشاركات، حتى لو كان محتوى سطحيًا أو مضللًا أو سامًا.
فالمنصة لا تسأل إن كان الشيء نافعًا أو حقيقيًا، بل تسأل فقط:
“هل أبقى الناس متصلين مدة أطول؟”
ومع الوقت، يُحبس الإنسان داخل “غرف صدى” رقمية، فلا يعود يرى إلا ما يشبهه ويؤكد قناعاته، فيتوهم وجود إجماع واسع حول أفكار أو سلوكيات قد تكون في حقيقتها فارغة أو هشة.
وهكذا تُصنع شرعية زائفة للتفاهة عبر التكرار والكثرة، لا عبر القيمة.
في هذه البيئة، يصبح الاستعراض موهبة، والابتذال جرأة، والضجيج حضورًا، بينما يُنظر إلى العمق كشيء ممل أو غير قابل للاستهلاك.
ويبدأ بعض الناس تدريجيًا بفقدان ذواتهم الحقيقية، لأنهم يكتشفون أن النسخة الأكثر صخبًا منهم هي النسخة التي تحظى بالتصفيق.
كم من شخصٍ اندفع نحو التفاهة لأنه وجد حوله من يحتفل بها؟
وكم من فكرةٍ سطحية بدت عظيمة فقط لأن الجميع أعاد تكرارها؟
بل كم من إنسانٍ خسر روحه وهو يظن أنه يربح الجمهور؟
ويتجلّى هذا التشويه بوضوح في أمثلة معاصرة صارخة؛
كاندفاع المراهقين نحو تحديات رقمية خطرة فقط لأنها “ترند”،
وصعود نجوم الجدل والفضائح إلى مرتبة القدوة لمجرد أن أرقامهم مرتفعة،
حتى أصبح كثير من الشباب يخلط بين الشهرة والمعنى، وبين الانتشار والقيمة.
ولا يكون التصفيق دائمًا بريئًا؛
فأحيانًا يكون استهلاكيًا، لأن السوق الحديث لا يبحث دائمًا عن القيمة بل عن الانتباه، وكلما كان المحتوى أكثر صدمةً وضجيجًا أصبح أكثر قابلية للبيع والتداول.
وأحيانًا يكون ترويجيًا، حيث تُصنع شخصيات وظواهر كاملة لخدمة منصات أو منتجات أو تيارات معينة، فيتحول الإنسان إلى أداة تسويق داخل مشهد ضخم من الاستهلاك.
وأحيانًا يكون مجرد عدوى جماعية، فالناس تميل إلى تقليد ما يحتفل به الجميع خوفًا من الاختلاف أو رغبةً في الانتماء.
لكن، ورغم هذا الطوفان الهائل من التصفيق، لم يكن الجميع ضحايا البيئة المشوّهة.
فالتاريخ يحتفظ أيضًا بأسماء أشخاص امتلكوا شجاعة نادرة؛ شجاعة أن يسمعوا أصواتهم الداخلية وسط ضجيج الحشود، وأن يختاروا خسارة القبول المؤقت بدل خسارة أنفسهم.
سقراط لم يحاول أن يُرضي المدينة، بل حاول أن يوقظها، ولهذا شرب السمّ بهدوء بدل أن يساوم على فكره.
وجاليليو، رغم المحاكمات، لم يستطع أن يخون ما رآه بعينيه، لأن الحقيقة بالنسبة إليه كانت أعمق من خوف الجماعة.
وفنسنت فان غوخ مات فقيرًا ومهمَلًا تقريبًا، بينما كانت روحه تمتلئ بالألوان التي لم يفهمها عصره بعد، ثم جاء العالم متأخرًا ليصفّق لما سخر منه سابقًا.
وكافكا طلب حرق أعماله لأنه لم يرَ نفسه كما رآه الناس لاحقًا، ومع ذلك بقي أدبه شاهدًا على أن القيمة لا تحتاج دائمًا إلى اعتراف فوري.
أما إدوارد سعيد فقد حذر من قدرة الإعلام على تزييف الوعي وصناعة صور نمطية تخدم الاستهلاك والهيمنة، وكأنه كان يرى مبكرًا هذا العالم الذي تُدار فيه العقول بالخوارزميات أكثر مما تُدار بالحقيقة.
هؤلاء لم ينقذوا أنفسهم بالقوة وحدها، بل بالوعي.
كانوا يعرفون أن التصفيق قد يكون مخدّرًا خطيرًا، وأن الجماهير ليست دائمًا دليلًا على الحقيقة، وأن الضجيج مهما ارتفع يبقى عابرًا إذا كان خاليًا من المعنى.
لقد فهموا مبكرًا أن أخطر ما قد يخسره الإنسان ليس جمهوره، بل نفسه.
ولهذا، لا تكمن خطورة البيئة المشوّهة في أنها تُنتج الضجيج فقط، بل في أنها تجعل الضجيج يبدو طبيعيًا، وتجعل الإنسان يخاف من الصمت، ومن التفكير، ومن الاختلاف عن القطيع.
لذلك لا يكفي أن نسأل:
“لماذا يفعل الناس ذلك؟”
بل يجب أن نسأل أيضًا:
* من الذي يصفّق؟
* ولماذا يصفّق؟
* وما الذي يجنيه من استمرار هذا المشهد؟
فالإنسان لا يسقط وحده دائمًا،
أحيانًا تسقط معه بيئة كاملة كانت ترفع له الأكفّ، بينما تدفعه بهدوء نحو الهاوية.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
