لبحر الأحمر يتكلم بلغة القوة

اأحلام الصوفي

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تتدفق عبره السفن والبضائع، بل تحول إلى ساحة اشتباك سياسي وعسكري تعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة. ومع إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر كامل وتام على الملاحة البحرية التابعة للعدو الإسرائيلي، دخل الصراع مرحلة جديدة تتجاوز حدود البيانات والتحذيرات إلى معادلات ميدانية تفرض نفسها على الواقع.
يأتي هذا الإعلان في أعقاب التصعيد الإسرائيلي الأخير واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، في خطوة كشفت مجددًا أن كيان الاحتلال لا يزال يراهن على توسيع دائرة العدوان وفرض وقائع بالقوة العسكرية. غير أن المشهد الإقليمي لم يعد كما كان في السابق، فالمعادلات التي نشأت خلال السنوات الأخيرة أفرزت أطرافًا تمتلك القدرة على الرد والتأثير، ولم تعد الساحة خاضعة لإرادة طرف واحد مهما امتلك من أدوات القوة.
القرار اليمني يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري المباشر، فهو يضرب أحد أهم المرتكزات التي يعتمد عليها الكيان الإسرائيلي في حركته التجارية والاقتصادية. فالبحر الأحمر يشكل شريانًا حيويًا للتجارة المرتبطة بموانئ الاحتلال، وأي اضطراب في هذا المسار ينعكس على الاقتصاد وسلاسل الإمداد وحركة النقل البحري، وهو ما يجعل تكلفة العدوان أكبر من مجرد حسابات المعارك التقليدية.
كما يعكس الإعلان اليمني حالة الترابط بين ساحات المواجهة في المنطقة. فالرسالة الواضحة هي أن الاعتداء على أي طرف ضمن محور المقاومة لن يبقى حدثًا معزولًا، بل سيولد ردود فعل تتجاوز الحدود الجغرافية. وهذه المعادلة تمثل أحد أبرز التحولات السياسية والعسكرية التي فرضتها السنوات الأخيرة، حيث أصبح تأثير الأحداث يمتد من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر مرورًا بفلسطين وسائر المنطقة.
وفي الجانب السياسي، يكشف القرار حجم التراجع الذي أصاب قدرة الاحتلال على فرض الردع. فالدولة التي اعتادت أن تكون صاحبة المبادرة تجد نفسها اليوم أمام جبهات متعددة، وأمام قوى تمتلك إرادة المواجهة وأدوات التأثير. وكلما اتسعت دائرة العدوان اتسعت معها دائرة التحديات التي تواجهها القيادة الإسرائيلية، الأمر الذي يضعها أمام استنزاف متواصل على أكثر من مستوى.
إن ما يجري اليوم في البحر الأحمر ليس مجرد إجراء عسكري مرتبط بحدث طارئ، بل تعبير عن مرحلة جديدة تتشكل فيها موازين القوى بصورة مختلفة. مرحلة لم يعد فيها الاحتلال قادرًا على التحرك دون حسابات معقدة، ولم تعد فيها الجغرافيا العربية منفصلة عن بعضها كما أرادت مشاريع الهيمنة لعقود طويلة.
ومن قلب هذه المعادلة الجديدة، يبرز البحر الأحمر بوصفه عنوانًا لصراع الإرادات؛ إرادة تسعى إلى فرض الهيمنة بالقوة، وإرادة أخرى تؤكد أن زمن التفرد بالقرار قد انتهى، وأن العدوان لم يعد يمر دون أثمان سياسية واقتصادية وعسكرية تتراكم مع كل خطوة تصعيدية جديدة.

شاهد أيضاً

مستقبل المفاوضات

بلال اللقيس كثيراً ما يُثار سؤال: هل ستنجح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة أم ستفشل …