بلال اللقيس
كثيراً ما يُثار سؤال: هل ستنجح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة أم ستفشل ونعود إلى الحرب؟ على اعتبار أنّ الخيار الثالث الذي يحبّذه ترامب، أي استمرار الدبلوماسية مع ضغطٍ أقصى لا يوصل إلى حرب، والبقاء في حال هدنة هشّة وضغوط ما دون العودة إلى الحرب، هو في الواقع رقصٌ على حافة الهاوية محفوفٌ بمخاطر عالية؛ فأي توتر، ولو كان صغيراً، سرعان ما يفجّر المنطقة.
فكيف والحال أنّ هناك قضايا مشتعلة أصلاً ومرشّحة للمزيد، كالحرب العدوانية على لبنان الذي تنظر إليه إيران بخصوصية بالغة وتعتبره جزءاً من أمنها القومي، بل يفوق الملف النووي أهميةً؟ وكيف والقضية الفلسطينية لا تزال مشتعلة في غزة والضفة، ولا توجد أي مؤشرات على التزام إسرائيلي بوقف الحرب، بل نشهد عودة إلى مربع المجازر والقتل اليومي؟ هذه القضايا، ناهيك عن الاحتكاك المستمر في منطقة الخليج بين أميركا وإيران، كفيلة في أي لحظة ــ قريبة لا بعيدة ــ بإعادة الحرب. لذلك يصعب اعتبار هذا الخيار خياراً عملياً بقدر ما هو تكتيك مرحلي لتحسين أوراق ترامب التفاوضية، ولا يُعدّ رؤيةً أو مقاربةً للمرحلة المقبلة.
إذاً، من الناحية العملية والواقعية، نحن أمام خيارين فعليين: إما نجاح التفاوض أو العودة إلى الحرب. فأي الخيارين أرجح؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال اللغز والمحير ــ نجاح التفاوض أم العودة إلى الحرب ــ لا شكّ أنّها ترتبط بالأداة المعرفية التي نعتمدها ومدى انطلاقها من الواقع وحقائقه. فإذا نظرنا بأداة العقلانية وبحسبة المصالح والمفاسد، فإننا نقطع بأنّ من مصلحة الإدارة الأميركية أولاً، ثم أوروبا، فالصين وروسيا وإيران والدول العربية والإسلامية قاطبة، نجاح المفاوضات والاستقرار، رغم انزعاج الأوروبيين من إبعاد أميركا ترامب لهم عن كل الملفات المصيرية والحيوية، ومنها التفاوض مع إيران.
فنجاح المفاوضات سوف يفتح الباب أمام استثمارات اقتصادية في المنطقة، ويكون لأميركا دور فيها أيضاً، وكذلك سياسياً، إذ سيثبت أنّ أميركا، التي تتراجع زعامتها عالمياً، لا يزال تأثيرها موجوداً، ولا تزال تمتلك نفوذاً يبيّنه نجاحها في التفاوض، خصوصاً بعد فشل القوة الخشنة في تحقيقه. كما لا يمكن احتواء تبعات الأضرار، بل والأزمات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يمكن أن تحدث فيما لو وقعت الحرب مجدداً. فأي حرب مفترضة قد تغرق أميركا في مسار لا نهاية له، وتؤدي إلى انهيار هيمنتها العالمية، حتى لو أفرطت في استخدام القوة؛ فبالنهاية هي تخوض حرب اختيار، مقابل إيران وجبهة المقاومة اللتين تخوضان حرب وجود وهوية، ما يمكنه تحويل الحرب إلى مستنقع لأميركا على غرار حرب المئة عام. إذاً، بكل اعتبارات المصلحة والعقلانية، يُفترض نجاح المفاوضات وضرورة ذلك.
لكن، من ناحية أخرى، تبقى لفرضية فشل المفاوضات والعودة إلى الحرب منطقيتها ووزنها في الاستشراف والتقدير. لماذا؟
لأنّ الأميركي يخوض حرب إلغاء لهوية جماعة إيمانية تحررية تحركها قضية حق، معنوياً ومادياً. وثانياً، لأنّ الصهاينة لم يتوانوا عن تقديمها بوصفها حرباً ضد الإسلام والمسلمين الذين يرون في الإسلام مشروع استنهاض وعدالة وتحرر. وثالث الأسباب أنّ طبيعة من يدير السياسة في أميركا وإسرائيل تنحو إلى نوع من الثأرية والحقد والأيديولوجيا في مواجهتهم لنا، بل إنّ “المجتمع” الإسرائيلي اليوم شديد التطرف، ولا يؤمن بالدبلوماسية والتفاوض، ويرى أنّ لهذه الحرب جذوراً تاريخية تبدأ من زمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه المنتجبين. ويظهر ذلك بجلاء في تصرفات جنوده وضباطه حيال أي مقدّس إسلامي، بل ومسيحي أيضاً.
أما رابع الأسباب، فهو مغادرة مربع العقلانية في أميركا بعد ما أصاب الديمقراطية الليبرالية من مرض عضال أوصلها إلى استقطابات حادة غاب بينها جسر الحوار، وتقدّمت الشعبوية كخطاب يعرف «ما لا يريده» أكثر مما يعرف «ما يريده»، ما يجعل القرار في الولايات المتحدة اليوم لا يخضع للتمحيص ورؤى المؤسسات بالشكل الكافي. ولعلّ الجدل الجاري اليوم مجدداً حول دور المؤسسة العسكرية في أميركا وحدوده، وهل هي تابعة للسلطة أم مولجة بحفظ الديمقراطية أولاً، خير دليل على ذلك.
أما خامس الأسباب، فيعود إلى طبيعة النظام الدولي وما أصابه من تصدعات بنيوية قد لا يكون معها قادراً على تلقف نتائج المفاوضات وتثبيتها. فنحن أمام بيئة دولية شديدة وسريعة التقلب وعالية المخاطر. ولمجمل هذه الأسباب يرى أصحاب الفرضية الثانية أنّه يصعب جداً نجاح التفاوض، وإذا نجح فإنّ نجاحه مؤقت ليس إلا؛ فأميركا غير قادرة على استيعاب أنّها لم تعد قوة قادرة على تنفيذ إرادتها في مختلف أنحاء العالم، وإسرائيل لم تعد قادرة على الاستمرار إذا أوقفت الحروب، وإلا أكل بعضها بعضاً. لذلك، ووفق منهج ومنطق تاريخي سنني أخلاقي حضاري، يرجّح هؤلاء جولة أشد ضراوة تساعد أكثر على حسم وتحديد المنتصر دون وجه اشتباه.
ما المرجّح؟
لأنّ شعوبنا أمام عدوين سمتهما اللاعقلانية والهوس بالقوة ووهمها، ولأنّ النرجسية، كما الشخصانية، تدمغ سلوك صانع القرار في الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، ولأننا أمام نزعة عنصرية في المقاربات تجاه العالم أجمع، ولأنّ التطرف والشعبوية حاكمان، وعقلية تسعى إلى الهروب من معالجة الأسباب إلى الاستغراق في بحث النتائج، ولأنّ تجارب الأمم تفيد بأنّ كل القوى المتجبرة عبر التاريخ لم تقبل أن تعترف بتراجعها وتتيح للآخرين المشاركة؛ فكيف بأسوأ نموذج للهيمنة في التاريخ، أي الولايات المتحدة وأداتها إسرائيل؟
فإنّ الانتقال من هذا النظام العالمي الظالم، بإدارة أميركية، والذي انتهى واقعاً، إلى النظام العالمي الجديد، يُرجّح ــ مع بقاء هامش للخطأ في التقدير ــ أنّه يتطلب جولة إضافية بين جبهة المقاومة وعدوها الأميركي الصهيوني، تكون الفيصل في عملية الانتقال هذه بين النظامين.
لذلك، فإنّ المقاربة العقلانية في القراءة تبدو أبعد عن الواقع، ولا تخدم المرحلة وتوقعاتها.
*باحث لبناني
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
