د. بسام أبو عبد الله .
الخميس 28 أيار 2026
نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية بتاريخ 23 أيار 2026 مقالاً بعنوان: “عمليات تجنيد واجتماعات سرية: إسرائيل تغذي النزعة الانفصالية في الساحل”، تناول روايات ومعطيات حول محاولات إسرائيلية لاختراق البيئة السورية واستثمار الجروح والانقسامات الداخلية، وخصوصاً في الساحل السوري.
بعيداً عن خطورة أي اختراق إسرائيلي محتمل ــ وهو أمر لا يحتاج إلى كثير من الشرح، لأن إسرائيل قامت تاريخياً على استثمار الانقسامات والتناقضات داخل المجتمعات العربية ــ فإن المشكلة الحقيقية ليست في النتيجة، بل في السبب. ليست في السؤال: هل تحاول إسرائيل الاختراق؟ بل في سؤال أكثر عمقاً: كيف وجدت الطريق أصلاً؟ ومن الذي فتح لها الأبواب والثغرات؟
أولا” – إذا كانت إسرائيل تستثمر في المظلوميات والخوف والانقسامات، فمن الذي وفّر البيئة المناسبة؟ أليست مشاهد القتل على الهوية، والانتهاكات، والمجازر، والخطابات الإقصائية، هي الوقائع التي صنعت الخوف والقلق وأنتجت شعوراً بالهشاشة لدى شرائح اجتماعية كاملة؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول السياسات الداخلية الخاطئة إلى وقود مجاني لمشاريع التفكيك الخارجية.
ثانيا” – استوقفني قبل فترة ظهور مسؤول في حزب الله، السيد نواف الموسوي، وتعليقه على ما نُقل عن لسان وليد جنبلاط بأن أحمد الشرع قال له ــ على ذمة الراوي ــ إن خسارة إيران للمعركة كانت ستعني دخول إسرائيل إلى دمشق. والسؤال هنا: لماذا كل هذا البناء السياسي على رواية منقولة؟ ولماذا يجري التعامل معها وكأنها حقيقة استراتيجية نهائية؟
ثم إن الأمر يبدو متناقضاً في جوهره. فإذا كان “الأخ أحمد الشرع” ــ وفق التعبير الذي استخدمه الموسوي ــ قد خاض، بحسب ما يُتداول سياسياً وإعلامياً، اتصالات ومفاوضات وجولات متعددة سرية و علنية مع اسرائيل ، فكيف يصبح الحديث عن إسرائيل هنا وكأنه خط فاصل بين عالمين متناقضين؟ وإذا كانت السياسة تقوم في النهاية على الاتصالات والمصالح وإدارة التوازنات، فلماذا تصبح هذه القاعدة مشروعة عند طرف، ومريبة عند طرف آخر؟
ثالثا” – الأهم من ذلك كله : كم مرة كُشف عن شبكات تجسس داخل إيران نفسها؟ وكم مرة أُعلن عن اختراقات داخل بيئات داعمة للمقاومة أو داخل بيئة حزب الله؟ وهل خرج أحد ليستنتج من ذلك أن الشيعة عملاء؟ بالطبع لا. لأن العمالة ليست هوية مذهبية ولا طائفية، بل اختراقات تحدث في كل المجتمعات، وفي كل البيئات، وفي كل الاتجاهات.
المشكلة تبدأ عندما تتحول رواية أمنية أو حادثة فردية أو مجموعة أسماء إلى أداة لتوصيف جماعة كاملة. هنا نغادر السياسة والعقل، وندخل منطقة التعميم الظالم والخطير.
رابعا” – ما يغيب عن النقاش غالباً هو أن ما جرى بعد المجازر والانتهاكات في الساحل يفتح باباً مؤلماً للتفكير. فقد سعى بعض أبناء الطائفة العلوية، بدافع الخوف والصدمة واليأس، إلى طلب مواقف إدانة من مرجعيات شيعية في العراق وإيران ولبنان، لكن وفق روايات متداولة لم يتلقوا استجابة تُذكر. وفي المقابل، صدرت مواقف إدانة من دول عربية مثل الإمارات ومصر.
وهنا لا تُطرح المسألة للمقارنة بين طرف وآخر، بل لطرح سؤال فكري وسياسي أعمق: كيف يفكر البعض في المنطقة؟ وكيف تُبنى الأولويات؟ وكيف تُدار فكرة الإنسان وكرامته خارج الحسابات الضيقة؟
فالإنسان حين يشعر أنه متروك وحده، وأن صرخته لا تجد من يسمعها، يصبح أكثر هشاشة أمام الخوف وأكثر قابلية للبحث عن أي نافذة نجاة، حتى لو كانت سراباً.
خامسا” – المشكلة ليست في العلويين، كما أنها ليست في الدروز أو الإسماعيليين أو أي مكوّن آخر. ومن الخطأ الفادح اختزال جماعة كاملة ببعض الأسماء الموجودة في الخارج أو ببعض الأصوات التي تتواصل هنا أو هناك. فالعلويون مكوّن وطني أصيل، وجزء من تاريخ سوريا ووجدانها الاجتماعي والسياسي، ووجود أفراد أو أصوات تتحدث باسم خيارات معينة لا يعني أبداً أنها تعبّر عن مجتمع كامل.
والأهم من ذلك أن البحث يجب أن يذهب إلى أصل المرض لا إلى أعراضه. فالنتائج دائماً متأخرة زمنياً عن أسبابها.
وقد تبدو بعض الوقائع الصغيرة كاشفة أحياناً. فعلى سبيل المثال، جرى الحديث عن مساهمات مالية ومبادرات تنموية بقيمة ١٥٠ مليون يورو قدمها الأمير كريم أغا خان لسورية ، ومع ذلك أوساط متطرفي السلطة اعتبرت ذلك عتق رقبة ، أو جزية عن الاسماعيليين ، وبالتالي فالخطورة ليس الأرقام بحد ذاتها، بل طريقة التفكير التي تنظر إلى السوريين بمنطق داعش ، أو القاعدة ، و بمنطق الحماية والولاء والهوية، لا بمنطق المواطنة والحقوق المتساوية. لأن المشكلة الحقيقية ليست في المال ولا في المبادرات، بل في العقل الذي يفسر الأشياء بعين الانتماء الضيق لا بعين الدولة.
سادسا” – هنا نصل إلى جوهر المسألة : أن الإشكالية ليست أمنية فقط، بل فكرية أيضاً. إنها أزمة نمط تفكير كامل، أزمة كل المشاريع التي تنظر إلى الدولة بوصفها غلبة وهوية وانتصار جماعة على أخرى. حين تصبح الهوية المذهبية أو العقائدية معياراً للثقة والحقوق والمكانة، يبدأ الانهيار الفعلي للدولة.
ولذلك فإن القضية هنا ليست استهداف طائفة ضد أخرى، ولا كتابة دفاع مذهبي مقابل دفاع مذهبي مضاد. هذا المقال لا يبحث عن الطوائف بل عن الأسباب ، و لا يبحث عن النتائج فقط بل عن الجذور.
إن أصل المشكلة يتمثل في قيام سلطة إقصائية تتعامل مع المجتمع بمنطق الفرز والهويات والانتماءات، لا بمنطق المواطنة. سلطة تفتح الباب أمام القتل على الهوية، والتمييز، والإقصاء، فتخلق بيئة مثالية لكل مشاريع الاختراق الخارجي ، ليصبح السؤال الحقيقي، والأكثر قسوة: من يخدم المشروع فعلاً؟ من يبحث عن النجاة وسط الخوف؟ أم من يصنع بيئة الخوف نفسها؟ من الذي يفتح الطريق أمام التدخلات؟ ومن الذي يدفع الناس دفعاً إلى أحضان الخارج ثم يتظاهر بالدهشة؟
سابعا” – لا تلوموا من ذُبح في بيته، ولا من عاش الخوف على أطفاله، ولا من شعر أن انتماءه تحول إلى تهمة، ولا من رأى نفسه وحيداً بلا صوت ولا نصير في هذا العالم العربي والإسلامي الواسع الشاسع ، فالبشر حين يُتركون في العراء يبحثون عن نافذة نجاة، ولو كانت وهماً ، هل تتذكرون المهندس نزار حسن محلا الذي كان يعمل في المنطقة الصناعية في عدرا ، وقام بتفجير نفسه مع زوجته ميسون ، وولديه بشر و كريم في شهر كانون الأول – ٢٠١٣ ، بعد اقتحام مسلحي جيش الإسلام ضاحية عدرا العمالية خشية من سبي زوجته واستعباده مع ولديه، وهو ما حصل فعلا” عندما قام جيش الاسلام بوضع نساء علويات في أقفاص حديدية ، وكانوا يدورونهم بالسيارات في مدينة دوما ؟؟ ثم يأتي أحدهم ليحدثنا عن النتائج و ينسى الأسباب ، وجذور المسألة!!
أما الحل، فلا يكون بمزيد من الانقسام أو الثأر أو تبادل الاتهامات، بل بالانتقال الكامل نحو دولة المواطنة والقانون؛ دولة لا تسأل الإنسان: من أي طائفة أنت؟ ولا ما هو مذهبك أو جماعتك أو انتماؤك السياسي. دولة ترى الإنسان مواطناً وبشراً أولاً، قبل أي تعريف آخر.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظا” بسبب كل أشكال الإسلام السياسي المؤدلج، وبسبب المشاريع التي حاولت بناء الدولة على الهوية لا على المواطنة. وقد آن الأوان للخروج من هذه الدائرة المغلقة نحو دولة مدنية علمانية حديثة، لا تميّز بين أبنائها، وتحكمهم بالقانون وحده.
فسوريا لم تسقط يوماً لأن أبناءها من مكونات متعددة ، بل تضعف حين يتحول أبناؤها إلى جماعات خائفة من بعضها. وحينها لا تحتاج إسرائيل إلى اقتحام الأبواب ، يكفي أن تجدها مفتوحة. والبحث عن النتائج وحدها قد يريح السياسة مؤقتاً، لكن البحث عن الأسباب وحده هو الذي ينقذ الأوطان .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
