وطنُ الرُّوح

د. لورانس نعمة الله عجاقة

ليست كلُّ الأماكنِ تُشبهُ قلوبَنا،
فبعضُها يُشبهُ قفصًا مطليًّا بالضوء، ندخلهُ ظانّين أنّهُ وطن، بينما أرواحُنا تختنقُ فيهِ بصمت.
نعطي، نتعب، نُزهِر، ونمدُّ أيدينا بالودِّ، لكنّنا نشعرُ دائمًا أنّ شيئًا ما ناقص، كأنّ أرواحَنا تُحاولُ أن تتنفّس تحت الماء.
في المكانِ الخطأ، تتحوّلُ الروحُ إلى عصفورٍ يرتجفُ على سلكِ انتظار،
مهما غنّى لا يسمعهُ أحد،
ومهما فرد جناحيه، يبقى محاصرًا بسقوفٍ واطئة لا تُشبهُ اتّساعه.
هناك
تُصبحُ الكلماتُ عبئًا،
ويغدو إثباتُ الذات معركةً يوميّة،
كشجرةٍ تُحاولُ الإثمارَ في أرضٍ مالحة؛
تسقيها السماءُ، لكنّ التربةَ ترفضُ جذورها.
أمّا حينَ تصلُ إلى المكانِ الصحيح،
فإنّك لا تحتاجُ إلى كثيرِ الشرح،
يكفي أن تكونَ أنت فقط.
تشعرُ وكأنّ روحكَ أخيرًا جلست قرب نافذتها التي أضاعتْها طويلًا،
وكأنّ قلبكَ وجد المرفأ بعد أعوامٍ من التخبّط في عواصف البشر.
المكانُ الصحيح لا يُرهقك لتكون مقبولًا،
بل يحتضنك كما يحتضنُ البحرُ نهرًا عائدًا إليه.
فيه، لا تُقاسُ قيمتُك بكم تُجيدُ التنازل،
ولا بعددِ المرّات التي تُطفئُ فيها نفسك كي تُرضي الآخرين.
هناكَ علاقاتٌ تُشبهُ المطرَ الخفيف؛
لا تُحدثُ ضجيجًا، لكنّها تُعيدُ للحياةِ اخضرارَها.
وأشخاصٌ يمنحونكَ الطمأنينةَ دونَ أن يرفعوا شعاراتِ الحب،
فتشعرُ قربهم أنّ روحكَ تنامُ مطمئنّةً كطفلٍ على صدر أمّه.
الحياةُ ليست امتحانًا دائمًا لإثباتِ أنّك تستحقّ،
بل رحلةُ بحثٍ عن الأماكنِ التي تُزهرُ فيها دون خوف،
عن القلوبِ التي ترى نوركَ دون أن تُطالبكَ كلّ يومٍ بإشعالِ نفسك أكثر.
فإن أتعبكَ مكانٌ،
لا تظنّ دومًا أنّ العيبَ فيكَ
أحيانًا، الوردةُ لا تذبلُ لأنّها ناقصةُ الجمال،
بل لأنّ الفصلَ الذي وُضعت فيهِ لا يُشبهُ ربيعَها.

شاهد أيضاً

الشرق الأوسط في عين العاصفة… معركة الممرات والتحالفات ترسم النظام الإقليمي الجديد

الإعلامية جمانة كرم عياد الأربعاء 2026/07/22 وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام …