
للكاتبة الروائية أ/سمية مصطفى علي دردونة/فلسطين
تعجبتُ من تلك اللوحة الفنية التي نُقِشت.. شمسٌ ساطعة وسط النهار تضيء دون حرارة، ترسل أشعتَها الذهبية على وجه سيدة غطى بياضُ الثلج رأسها، ورُسِم على وجهها وكفيها خرائطُ النزوح وخيامُه التي حُمِلت على الأكتاف. تحتضن بين راحتيها طفلةً أحرقت الحربُ ربيعين من عمرها قبل أن تزهر غيرهما، شعرُها المسدل القاتم كلون عيونها الحوراء التي لم ترَ إلا المجازر والخيام.
تجلس في حضن جدتها التي تتغزل أصابعُها بخصال شعرها، تفرقه خصلة خصلة، تتفقده، تنظفه، وتتصبر أمام بكائها ورفضها؛ محاوِلةً إرضاءَها كي تنسى ألم سحب العالق بين طيات شعرها. نظرتُ إليها بتعجب، فإذا بحنكتها تدرك حيرتي، وتجيبني بتنهيدة سبقت الكلام:
– “هي الناجي الوحيد من عائلة ابني، ربما نجت لتؤنس وحدتي، ولتحمل اسم أبيها الذي لم تعرفه، وتدب في جسدي المنهزم للشيخوخة انتصاراً ليهديها نبض القلب وروح الحياة.”
تابعت الجدة وهي تمسح على رأس الصغيرة:
– “لا يهون عليَّ أن أرى الحشرات تفتك بجلدة رأسها، يكفيها الحزن الذي سيفتك بقلبها لاحقاً..
لقد اتخذتُ على نفسي عهداً أن أكون أمها وأباها. لن أسمح لمخلفات الحرب أن تنال منها؛ أسخن لها الماء، وأغسل ملابسها بيدي التي تشبه جسد خالد بن الوليد، ما من شبر فيها إلا وفيه أثر شظية أو حرق، ولكن معية الله غشتني، فشفيتُ أو أقنعتُ نفسي بذلك؛ مع أن الأطباء أجمعوا على بتر يدي اليسرى، ولكن مشيئة الله أرادت لطفلتي الحياة بين يديّ.”
ثم أردفت بتنهيدة تؤز الجبال، ومسحت دموعها:
– “بنيتي، كنت قد اهتممت بشعر ابنتي الكبرى أيام النكبة في العام السابع والستين، كانوا يوزعون علينا ‘الشيد الأبيض’ (المسحوق الكلسي) للقضاء على القمل، وكنا نغسله أحياناً بقطرات من ‘الكاز’. ولما تطورنا صار له شامبو خاص، ولكن نكبة هذه الحرب فاقت الوصف، فعدنا لمشط العظم وأصابعنا.. إن قمل الرأس لو تركناه ثلاثة أيام فقط لانتشر كالنار في الهشيم، يمتص دماء الصغار ويهيج جلودهم بالهرش حتى تدمى وتلتهب، لذا لا أغيب عن شعر مدللتي يوماً واحداً.”
قلت لها: “ما شاء الله، بارك الله في صحتك.. ولكن ما اسمها؟”
أجابت بابتسامة باهتة:
– “وطن؛ لتكون لي وطناً، ولن أسمح لشعرها أن يكون مستوطنة للأوبئة.”
في تلك اللحظة، التقطت الجدة حشرة دقيقة بين ظفريها، تأملتها وقالت:
– “بالرغم من تقززي، إلا أنني أتأمل قدرة الله، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم).. حتى هذه الحشرات أمم أمثالنا.”
تعجبتُ من فلسفتها، فسألتها عن دورة حياتها، فقالت:
– “تبدأ كبويضة صغيرة (صيبان) تلتصق بالشعر كالصمغ، تظل عشرة أيام تقريباً قبل أن تفقس. بعضها يظل ملتصقاً كالقشور حتى بعد موته.
وحين تخرج الصغار، تري العجب؛ منها الشفاف الذي يكاد لا يُرى، ومنها القاتم الذي شبع من الدماء. انظري إلى ذكائها في مواجهة الموت؛ بعضها يثبت مكانه تماماً كالميت حتى أتركه، وبعضها يفر بين أناملي بسرعة تسبق المشط، فسبحان من خلق فأبدع، وسبحان من أحياكِ لترعي هذا الوطن الصغير.”
بقلم الكاتبة الروائية أ/سمية مصطفى علي دردونة/فلسطين
حقوق النشر محفوظة 2026
ملاحظة:
هذه القصة خرجت للنور اليوم بواسطة الكاتب والناشر اليمني سهيل عثمان سهيل ، قمنا بتوثيقها هنا في مجلتنا المتواضعة مجلة كواليس اللبنانية ليس إلا براءة للذمة ضمن مجموعتها القصصية القادمة بإذن الله والتي سترى النور يوماً ما.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net