بقلم: د.غازي قانصو
هناك حيث تعرف الأرضُ من يمشي عليها.
في الجنوب، لم تكن الأرض مجرد تراب نمشي عليه. كانت أمًا تذكر خطى أبنائها، تخبئها في صدرها، ولا تنساها. تنتظرهم إذا غابوا، وتحزن إذا سقطوا.
تلك الليلة، خرج المُعادُون في آلةٍ زاحفةٍ مُدَرّعةٍ، وهم يشعرون بثقل غير عادي في قلوبهم. لم يكونوا وحدهم من يسترق السمع. الطريق كان يصغي لهم أيضًا، ينقل أنفاسهم إلى حيث لا يرون.
على التلال، بين أشجار الزيتون التي تعرف أسرار الريح، كانت هناك عيون لا تنام. عيون لأبناء البلد، يحبون ترابهم أكثر من دمائهم.
لم يكونوا يريدون الحرب، لكنهم كانوا يعرفون أن من يدخل بيته بغير إذن، لا بد أن يصطدم بقلب لا يهادن.
همس أحد المُعادُون لرفيقه: “نحن نتقدم.” لكن الأرض، في عمقها، كانت تحس، كأنّما كانت تقول لهم: “بل أنتم تدخلون فخًا صنعته السنون.”
في الجهة الأخرى، لم يكن هناك صخب. كان رجالٌ بأعماركم مختلفة، وجلُّهم ربيعيون، يصمتون كما تصمت الصخور قبل العاصفة.
لم يركضوا نحو الموت، بل جعلوا الموت يأتي إليهم. كانوا يعرفون كل حجر، كل شجرة، كل انحناءة في الأرض. ليس لأنهم درسوها، بل لأنها جزء منهم، ومن أمهاتهم، ومن ذاكرة طفولتهم.
فجأة، أضاءت السماء. لم يكن فجرًا، بل نارًا تتساقط كالدمع الموجع. طائرات بلا طيارين، وصواريخ كأنها بكاء السماء. صرخ جندي مُعادٍ: “إنهم يعرفون أين نحن!” وكانت الجبال تردد صوته، وكأن الحقيقة تعلن نفسها بلا رحمة، كأنّما التلال والوديانُ أجابتا: نعم، كانوا يعرفون، لأن الأرض أخبرتهم.
في لحظة، انقلبت الدنيا. من جاء يهاجم، وجد نفسه محاصرًا ليس بالمدافعين فقط، بل بجغرافيا غاضبة، بذاكرة لا تسامح، بقلوب لا تعرف الخوف.
سقط أول جندي مُعادٍ. لم يمت وحده. مات معه وُهمٌ أنه يمكن دخول الجنوب كأنه أي أرض. وبكى رفاقه بصمت. ثم سقط آخر. والآخر.
ارتبكت الخطى، واختلطت الأصوات بين نداء وجرحى ودموع رجال ظنوا أنهم أقوياء.
نظر القائد حوله، وفي عينيه الخوفُ بذاته، لم يخفه: “لقد كانوا ينتظروننا.” نعم، كانوا هناك قبل أن تبدأ الخطوة الأولى.
لم يبحثوا عن القتال، لكنهم لم يخافوه. هم فقط أحبوا أرضهم أكثر مما يخافون الموت.
في عمق الجنوب، حيث تختلط الأسطورة بالحقيقة، كان هناك شيء آخر يحدث: حرب بين من يعرف الأرض قلبًا وقالبًا، ومن لا يعرف منها إلا ما تراه الذئاب.
وعندما سكنت النار، بقيت الأرض كما هي: هادئة صَبُورَةٌ، تحمل في صدرها شهداءها، وتهمس لمن يعرف كيف يسمع:
“هنا لا يكفي أن ترى، عليك ان تقرأ كي تعي وتفهم.
هنا عليك أن تشعر، هنا عليك أن تحب التراب قبل أن تطأه.”
لأن الجنوب ليس مجرد مكان. الجنوب هو قلب وطننا النابض، ومن يجرحه، يجرح كل الوطن.
مع تحياتي،
د.غازي مُنير قانصُو
الأحد ٢٩ آذار ٢٠٢٦م
حدث ربيع عام ٢٠٢٦م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
