بقلم: فاطمة يوسف بصل
كاتبة ومعلّمة لغة عربية
في هذا العالم الذي يضجّ بالضجيج، ثمّة قلوبٌ تختار الصمت… ليس ضعفًا، بل لأن وجعها أعمق من أن يُقال. هناك، عند حافة الدعاء، تقف أمٌّ وترفع يديها إلى السماء، لا تطلب شيئًا لنفسها، بل تُسلّم قطعةً من قلبها لله… وتمضي.
ليست هذه بداية حكاية، بل بداية أسطورة تُكتب كل يوم بصبر الأمهات. أمهات الشهداء لا يدخلن التاريخ من أبوابه، بل يكتبنه بدموعهنّ، ويتركن على صفحاته أثرًا لا يُمحى.
ليست كل أمٍّ تُنجب طفلًا فقط… بعض الأمهات يُنجبن قدرًا، ويُربّين حكايةً أكبر من العمر، وأوسع من الحياة. أمهات الشهداء لا يشبهن أحدًا؛ في قلوبهن مساحة لا تُقاس، وفي صبرهن لغة لا يفهمها إلا من لامس حدود الفقد ولم يسقط.
منذ الخطوة الأولى، كنّ يعرفنّ بحدسٍ خفي.أن أبناءهن ليسوا عاديين. كانت نظراتهم تحمل شيئًا مختلفًا، وكانت كلماتهم تميل إلى الضوء أكثر من الظل. فزرعن فيهم ما يزرعه الكبار في الكبار: الكرامة، العزّة، وعدم الانحناء… حتى في وجه الريح. كبروا على صوت الأمهات وهنّ يهمسن في قلوبهم: “كونوا رجال حق، لا تخافوا إلا الله”، فصاروا كما أردن لهم… مستقيمين كالسيف، نقيين كالماء، ثابتين كالأرض.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الحياة رحيمة، لكن الأمهات كنّ يعرفن كيف يصنعن من الألم قوة، ومن الخوف شجاعة. ثم جاء ذلك اليوم الذي لا يشبه الأيام… يوم وقفت فيه الأم على حافة القلب، لا تمسك ابنها، بل تطلقه. لم يكن وداعًا عاديًا، بل لحظة انكسارٍ متماسك، حين تختلط الدموع بالدعاء، ويعلو الخوف… ثم يسكت، احترامًا لما هو أعظم.
أمّ الشهيد لا تبكي كما نبكي نحن. دمعتها مختلفة… ثقيلة، لكنها نظيفة كالصلاة. تسقط، ثم تمسحها بكرامة، وكأنها تقول: “هو ليس غائبًا… هو فقط ارتفع.” تحمل صورته كما لو أنها تحمل قطعة من السماء، وتحادثه كأن المسافة بينهما مجرد غيمة.
وفي البيوت التي مرّ بها الغياب، لا يسكن الصمت… بل تمتلئ الجدران بصوتٍ خفيّ، بضحكةٍ محفوظة، بخطواتٍ لن تعود، لكنها لا ترحل. هناك، في زاوية ما، تجلس الأم وتُعيد ترتيب الذاكرة، لا لتتذكّر فقط… بل لتبقى قوية. تلمس أغراضه كأنها تلمس يده، وتهمس باسمه كأنه يسمعها، لأن الحب لا يختفي… بل يتغيّر شكله فقط.
أمهات الشهداء لا ينهزمن، لأنهنّ لا يعشن لأنفسهن فقط. هنّ يمشين وفي داخل كل واحدةٍ منهن وطنٌ كامل، يرفض السقوط. يبتسمن حين يجب أن يبكين، ويُربّتن على قلوب الآخرين بينما قلوبهن تنزف بصمت. إنهنّ المعادلة الصعبة: كيف يجتمع الفقد مع الفخر في قلبٍ واحد… ولا ينكسر؟
وحين نسأل: من يصنع الأبطال؟ لا نجد الجواب في ساحات المعارك، بل في تلك الأيادي التي ربّت، وفي تلك القلوب التي آمنت، وفي تلك الأمهات اللواتي قدّمن أغلى ما لديهن… ومضين واقفات.
هناك، في البيوت البسيطة، وُلدت الحكايات الكبيرة، وهناك كُتب المجد بصمت. وفي نهاية الحكاية… لا نهاية حقًا. لأن أمّ الشهيد لا تُطوى صفحتها، بل تبقى مفتوحة في ذاكرة الوطن، حيّةً في تفاصيله، نابضةً في وجدانه. هي الحكاية التي تُروى دون أن تُقال، وتُفهم دون أن تُشرح، لأنها مكتوبة بلغة القلب… لا بلغة الكلمات.
أمّ الشهيد لا تودّع ابنها كما يودّع الآخرون أحبابهم، بل ترفعه إلى الله دعاءً لا ينقطع، وتُبقيه حيًّا في كل نبضة، في كل موقف عزّ، في كل كلمة حق. يصبح ابنها فكرةً، وقيمةً، وطريقًا يسير عليه الآخرون، وتصبح هي الحارسة الصامتة لذاك الضوء الذي لا ينطفئ.
هي التي تتقن الألم دون أن تفضحه، وتُخفي انكسارها كي لا ينكسر العالم من حولها. تمشي بين الناس بقلبٍ مثقل، لكنها لا تميل… لأن في داخلها وصيّة، وفي عينيها عهد، وفي روحها إيمان بأن من قدّمته لم يذهب سدى.
فيا أمهات الشهداء… يا من جعلتنّ من الصبر صلاة، ومن الدموع نورًا، ومن الفقد كرامةً تُروى للأجيال… لكُنّ منا ما لا تكفيه الكلمات، ولا يفيه التعبير. لكُنّ امتنانٌ بحجم هذا الوطن، ودعاءٌ يمتدّ مع كل فجرٍ جديد أن يجبر الله قلوبكنّ جبرًا يليق بعظيم ما قدّمتن.
سلامٌ على قلوبٍ تعلّمت كيف تنكسر… دون أن تسقط، وسلامٌ على أعينٍ بكت… لكنها لم تفقد البصيرة، وسلامٌ على أمهاتٍ لم يفقدن أبناءهن، بل زرعنهم في الأرض… فأنبتوا كرامةً لا تموت، وذاكرةً لا تُمحى، ونورًا سيبقى ما بقي في هذه الأرض نبض.
نكتب لنحفظ الوجع من الضياع… ونُخلّد ما لا يجب أن يُنسى.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
