ريما فارس
حين تُضرب الكهرباء في الشمال، لا يُستهدف سلكٌ أو محطة، بل يُضرب قلب الحياة اليومية، وتُكشف حقيقة طالما حاولت “إسرائيل” إخفاءها: أنّ الجبهة الداخلية ليست آمنة، وأنّ الحرب وصلت إلى داخل البيوت.
في لحظةٍ لم تعد فيها المواجهة تُدار في الظلّ، دخلت الضربات الإيرانية على العمق الإسرائيلي مرحلةً مختلفة، عنوانها كسر التوازنات الحساسة وضرب البُنى الحيوية، لا الاكتفاء بالرسائل الرمزية. فاستهداف شبكة الكهرباء في شمال فلسطين المحتلة لم يكن حادثاً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أنّ بنك الأهداف قد توسّع، وأنّ المعادلة باتت تمسّ مفاصل الحياة اليومية للكيان.
لم تعد إيران تعتمد فقط على الردّ غير المباشر، بل أظهرت قدرة على إيصال رسائل نارية دقيقة، تضرب حيث يؤلم: البنية التحتية. إنّ ضرب شبكة الكهرباء يعني إدخال المستوطنين في دائرة القلق الحقيقي، حيث الظلام ليس مجرد انقطاعٍ عابر، بل مؤشر على هشاشة الجبهة الداخلية، التي طالما حاولت “إسرائيل” تصويرها كجبهةٍ منيعة.
هذه الضربات كشفت جملة من النتائج الخطيرة:
أولاً، سقوط وهم “الحصانة المطلقة”. فمع كلّ ضربة تصيب منشأة حساسة، يتأكد أنّ الداخل الإسرائيلي لم يعد بمنأى عن النيران، وأنّ القبة الحديدية، مهما بلغت قدراتها، ليست درعاً شاملاً أمام حرب متعددة الأشكال.
ثانياً، انتقال المواجهة إلى مستوى “حرب البُنى التحتية”. فبدل التركيز على المواقع العسكرية فقط، باتت الكهرباء، الاتصالات، والمرافق الحيوية ضمن دائرة الاستهداف، ما يضع إسرائيل أمام تحدٍّ داخلي لا يقل خطورة عن التهديد العسكري.
ثالثاً، تعزيز معادلة الردع. فإيران، عبر هذه الضربات، لا تردّ فقط، بل ترسم حدوداً جديدة: أيّ اعتداء لن يمرّ دون كلفة، وهذه الكلفة لن تكون عسكرية فحسب، بل اقتصادية ومعيشية أيضاً.
رابعاً، إرباك القرار الإسرائيلي. إذ تجد القيادة نفسها أمام معادلة معقدة: الردّ قد يفتح أبواب تصعيد واسع، والصمت يعني تآكل هيبة الردع. وفي الحالتين، تتآكل صورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
أما على المستوى الإقليمي، فقد حملت هذه الضربات رسالة واضحة إلى الحلفاء والخصوم معاً: محور المواجهة لم يعد في موقع الدفاع، بل بات قادراً على المبادرة، وعلى نقل المعركة إلى عمق العدو متى شاء.
إنّ استهداف الكهرباء ليس مجرد ضربة تقنية، بل هو ضربة نفسية واقتصادية وأمنية في آنٍ واحد. هو إعلان أنّ زمن الحروب السريعة الخاطفة قد انتهى، وأنّ ما يجري اليوم هو حرب استنزاف ذكية، تُدار بالنَفَس الطويل، وبضرباتٍ محسوبة تُراكم أثرها تدريجياً.
وفي ظلّ هذا المشهد، يبدو أنّ المنطقة تقف على عتبة مرحلة جديدة، حيث لا مكان للخطوط الحمراء القديمة، ولا للمعادلات التقليدية. فكلّ ضربة اليوم، مهما بدت محدودة، تحمل في طياتها ما هو أكبر: إعادة رسم ميزان القوة… على وقع النار.
وفي خضمّ هذا المشهد، يبقى الأخطر ليس فقط ما يُقصف… بل ما يُخفى، إذ لم يعد من الممكن الوثوق بإعلامٍ يُتقن التعتيم أكثر مما ينقل الحقيقة، ويصوغ الهزائم على هيئة انتصارات.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
