بشرٌ من طينةٍ إلهيّة

بقلم أمين السكافي

ليسوا كبقيّة البشر… أو لعلّهم هم جوهر البشريّة حين تبلغ ذروتها، حين تتجرّد من ضعفها العابر وتستعيد سرّها الأول، ذلك السرّ الذي نُفخ في الطين فصار روحًا. هؤلاء ليسوا نازحين بالمعنى الذي نعرفه، بل هم عمالقة النزوح، كائنات تمشي على الأرض ولكنها تستظلّ بالسماء، وتوزّع الكرامة كما يوزّع النور نفسه دون أن ينقص.

كيف يمكن للغة أن تحيط بهم؟ كيف للحروف أن تصف امرأة اقتُلعت من بيتها، من جدرانٍ حفرت فيها عمرها، من ذاكرةٍ كانت تفيض دفئًا، ثم تمضي… لا منكفئة، لا مكسورة، بل مرفوعة الرأس كأنها تحمل وطنًا لا بيتًا؟ كيف لشيخٍ تجاوز السبعين، ترك رزقه وذكرياته، أن يقف في وجه النزوح لا كمن هُزم، بل كمن اختار موقعًا آخر في معركة الكرامة؟

إنهم بشر من طينة إلهية… طينة صيغت في جبل عامل، تلك الأرض التي لا تُنبت إلا العزّة، ولا تُرضع إلا الكرامة. هنا، الكرامة ليست شعارًا، بل حليبٌ رضعه الأطفال من صدور أمهاتهم، عقيدة تسري في الدم، وفكرٌ كربلائي تناقلته الأرحام قبل الألسن، حتى صار الإنسان هنا امتدادًا لملحمة لا تنتهي.

أتركع أمامهم؟ أتسجد؟ أتنحني؟ افعل ما شئت… فأنت في حضرة تلامذة الحسين والعباس، أولئك الذين لم يتعلّموا الكرامة نظريًا، بل ورثوها كالإرث المقدّس، وحملوها كما تُحمل الأمانة الثقيلة. رجالٌ إذا وقفوا في قرى المواجهة—من الخيام إلى الطيبة، إلى رب ثلاثين ويارون، وعلى كامل الامتداد الجغرافي للحدود—رأيت فيهم شجاعة حيدر، وبأس حمزة، وبسالة أبي الفضل، وصبر ويقين الحسين.

وأمّا النساء… فحدّث ولا حرج. في كل واحدة منهن زينب، لا امرأة عادية، بل موقف، صرخة، وثبات يقارع يزيد كل عصر. تراها تحمل طفلها بيد، وكرامتها باليد الأخرى، لا تنكسر، لا تساوم، لا تذرف دمعة ضعف، بل دمعة عزٍّ تُربك السماء نفسها. هي ليست شاهدة على المأساة، بل شريكة في صناعتها بمعنى الشموخ، حيث يتحوّل الألم إلى معنى، والمعاناة إلى مقام.

وحين تنظر إلى الأطفال، هنا تبلغ الحكاية ذروتها. طفل لم يبلغ الحلم، كان يفترض أن يلهو، أن يركض خلف لعبة، أن يضحك بلا همّ، فإذا به ينادي: حيّ على الجهاد، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل. عندها تشعر أن الزمن قد انكسر، وأن هذا الصغير أكبر من العمر نفسه، وأنك أنت—بكل ما تحمله من سنوات—أصغر بكثير أمام هذه العظمة.

أيّ صنفٍ من البشر هذا؟ أيّ سرٍّ يسكنهم حتى تفيض كرامتهم فتلامس السماء، فتغرف منها الملائكة؟ إنهم أولئك الذين قال فيهم الإمام الخميني إن كل ما لدينا من عاشوراء، وها هي عاشوراء تتجدّد فيهم، لا كذكرى، بل كحياة يومية، كفعل مستمر، كإرادة لا تنكسر.

إنهم أحفاد أبي ذر، الذين لم يعرفوا يومًا كيف يُساوم على الحق، ولم يتعلّموا إلا أن يكونوا حيث يجب أن يكونوا، ولو كان الثمن كل شيء. هؤلاء الذين ارتضوا النزوح جسدًا، لكنهم أبوا أن ينزحوا روحًا، فبقوا في موقعهم الحقيقي: موقع العزّة.

لقد طُلب منّي أن أتحدّث عن المنبطحين، عن أولئك الذين تخلّوا عن كل شيء، ولكنني—وأمام هذا السيل الجارف من الشرف—آثرت أن أصمت عنهم. خجلت أن أضعهم في الصفحة نفسها مع هؤلاء العمالقة، لأن المقارنة هنا ظلم، والسكوت أبلغ.

هكذا شعب… هكذا بيئة… هكذا تربية شربت من معين المجتبى، لا يمكن إلا أن تنتصر. ليس لأن النصر حتمي في حسابات الأرض، بل لأنه مكتوب في ميزان السماء، حيث لا يُقاس الإنسان بما يملك، بل بما يثبت عليه . وهؤلا ثبتوا ببسالة . فصاروا أكبر من النزوح، وأبقى من الألم، وأقرب إلى الخلود

شاهد أيضاً

عداوة كاذبة وسلام كاذب

د. محمد السعيد إدريس   فى ذروة أزمة التفاوض الأمريكية مع إيران فاجأ الرئيس الأمريكى …