بقلم: أمين السكافي
ليس الجهاد كلمةً تُرفع على الرايات فحسب، ولا شعارًا يُردَّد في الخطب، بل هو حالة إنسانية عميقة تتجذر في الروح قبل أن تظهر في الميدان. فالجهاد في معناه الواسع هو بذل الجهد في سبيل الحق، وهو مراتب ووجوه متعددة؛ منه جهاد النفس حين يقاوم الإنسان ضعفه وشهواته، ومنه جهاد الكلمة حين تُقال في وجه الظلم، ومنه جهاد المال حين يُبذل في نصرة المظلوم، ومنه جهاد السيف حين تُفرض المواجهة دفاعًا عن الأرض والكرامة.
وقد جعل الله لكل إنسان نصيبه من الجهاد بحسب استطاعته وموقعه، فليس كل الناس يحملون السلاح، وليس كلهم يقفون في الخنادق، لكن كل واحد منهم يمكن أن يكون مجاهدًا بطريقته. فالمقاتل يجاهد بثباته، والطبيب يجاهد بعلمه، والأم تجاهد بصبرها، والطفل أحيانًا يجاهد بدمعته الصامتة.
ومن بين وجوه الجهاد التي قد لا يلتفت إليها الكثيرون، يبرز جهاد النزوح… ذاك الجهاد الصامت الذي لا تُسمع فيه أصوات الرصاص، لكنه يمتلئ بآهات الصبر وثقل الفراق.
فحين يترك الإنسان بيته، لا يترك جدرانًا من حجر فحسب، بل يترك ذاكرة عمرٍ كامل؛ يترك صورًا على الحائط، وألعاب أطفالٍ في الزوايا، ورائحة خبزٍ اعتادت أن تفوح كل صباح. لكنه يغادر، لا خوفًا فحسب من قصف العدو وهمجيته، بل إيمانًا بأن خلوّ الأرض من المدنيين يمنح المجاهدين حرية الحركة، ويخفف عنهم عبء القلق على أهلهم ومن بقي خلفهم.
وهنا تبدأ رحلة جهاد النزوح.
تتحرك مئات آلاف العائلات في وقتٍ واحد، فتتحول الطرقات إلى أنهارٍ بشرية متدفقة. سياراتٌ محملة بالأطفال والنساء وكبار السن، ووجوهٌ مرهقة تحدق في الأفق بقلقٍ وصبر. تختنق الطرق بزحمةٍ لا تُحتمل، وقد تمتد ساعات الانتظار أحيانًا إلى أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة.
وفي تلك الساعات الطويلة، تصبح الطريق وطنًا مؤقتًا.
ينام الأطفال على المقاعد، وتتبادل الأمهات زجاجات الماء القليلة، ويحاول الآباء أن يخفوا قلقهم بابتسامةٍ متعبة.
وحين يصل النازحون إلى مقاصدهم، تبدأ مرحلة أخرى من الجهاد.
فمنهم من يجد مأوى عند قريبٍ أو صديق، فيلتئم الجرح قليلًا داخل بيتٍ ضاق بأهله لكنه اتسع بالمحبة.
ومنهم من يبدأ رحلة البحث عن سقفٍ يستأجره، وهنا تقع الطامة الكبرى؛ إذ يستيقظ في بعض النفوس جشعٌ مؤلم، فيطلب بعض اللبنانيين من إخوتهم أسعارًا خيالية مقابل غرفةٍ أو شقة، ويشترطون دفع أشهرٍ طويلة سلفًا كأن الحرب فرصة تجارة لا مأساة وطن.
ومع ذلك، وللإنصاف، ليس كل اللبنانيين كذلك.
فكثيرون منهم فتحوا بيوتهم وقلوبهم، وتقاسموا الخبز والماء مع النازحين، محافظين على قيم الأخوة التي لا تزال تسكن ضمير هذا الشعب.
أما الفئة الثالثة من النازحين، فهم أولئك الذين لا يملكون المال أصلًا ليلاحقوا جنون الأسعار، فيلجأون إلى مراكز الإيواء التي تكون في الغالب مدارس رسمية.
وفي هذه المدارس، يصبح الصف غرفة نومٍ لعشرات الأشخاص.
المراحيض مشتركة، والغرف مكتظة، ولا خصوصية ولا مساحة للراحة.
الفرش والبطانيات قليلة، والبرد يتسلل من النوافذ كضيفٍ ثقيل لا يُطرد.
ومع ذلك، تبذل بعض الجمعيات جهودًا مشكورة لمتابعة شؤونهم بما تستطيع، في محاولة لتخفيف وطأة هذه المحنة.
لكن الجهاد الأكبر في رحلة النزوح يبدأ حين يصل بعضهم متأخرين… فلا يجدون مدرسةً ولا بيتًا ولا غرفة.
الطريق وحدها تصبح مأواهم.
تراهم جالسين على الأرصفة، يغسلون ملابسهم بماء الأنهر أو البحر، ويعلقونها على السياج الحديدي كأنه منشرٌ كبير لثياب الكرامة المتعبة.
أما كيف يغتسلون، أو كيف يقضون حوائجهم الطبيعية، فذلك سؤالٌ لا يجرؤ المرء أحيانًا على طرحه.
وفي الليل، يجمعون الأطفال والنساء داخل السيارات ليمنحوهم قليلًا من الدفء.
أما الطعام والشراب… فدعونا نصمت قليلًا احترامًا لكرامة أشرف الناس.
وهنا لا بد من ملاحظتين مؤلمتين:
أولاهما: لماذا لا تبادر وزارة التربية إلى فتح أبواب المدارس الخاصة لاستيعاب النازحين، كما فُتحت المدارس الرسمية؟
وثانيتهما: لماذا لا تفتح دوائر الأوقاف الإسلامية والمسيحية المساجد والكنائس أمام هؤلاء، وهي بيوت الله التي وُجدت أصلًا لخدمة عباده؟
فإذا كان في الحديث الشريف أن هدم الكعبة حجرًا على حجر أهون عند الله من سفك دم مسلم، فكيف ببيوت الله وهي تقف مغلقة في وجه المقهورين؟
ومع ذلك كله، يبقى المشهد الأكثر إدهاشًا في هذه الملحمة هو صبر الناس.
فهؤلاء لم يعيشوا جهاد النزوح للمرة الأولى.
لقد عرفوه عام 1993، ثم عام 1996، ثم عام 2006، ثم عام 2024، وها هم يعيشونه مرةً أخرى في شهر رمضان المبارك.
ومع ذلك، لا تكاد تسمع شكوى، ولا تلمح تبرمًا.
بل تسمع عبارةً تتردد على الألسنة كأنها نشيد الصبر:
“ما رأينا إلا جميلًا.”
ويبقون ملتفين حول المقاومة، مؤمنين بأن هذه التضحيات مهما عظمت إنما تُقدَّم فداءً للأرض والكرامة… وفداءً لدماء السيد الشهيد.
وهكذا يبقى جهاد النزوح جهادًا صامتًا، لا تكتبه نشرات الأخبار، لكنه محفورٌ في ذاكرة الناس، وفي ضمير وطنٍ تعلّم أن يصبر… وأن ينتصر بالصبر
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
