
الكاتبة. رحاب هاني خطار
أبجديتي مجعّدة، منهزمة، تتآكلها الهموم.
ضاعت منها لهفتها للغوص في محبرتي، وشغفها بأن تتلوّن بحبر أفكاري، وحماستها لأن ترقد على سطور أوراقي المستقيمة.
أعاتبها من حينٍ لآخر، أرجوها أن تفكّ قيودها عن مشاعر تنهش راحتي، وأن تُحرّر ما بداخلي من ألمٍ يرفض أن يُفصح عن نفسه.
أجدني والأرق يلازمني، والخوف يتربّص بي.
مسمّرة أمام الشاشة، أتابع أخبار لبنان التي تحبس أنفاسي وتُبكم أبجديتي.
ليست الحرب الأولى التي شهدتها وتعايشت مع تفاصيلها؛
فأنا من بلدٍ الحروب فيه مستدامة، ولوحات الجلاء فيه كثيرة.
قصص الطفولة المروية بلسان الآباء والأجداد، صور الشهداء المعلّقة في صالونات البيوت، القذائف النحاسية التي توضع عليها أحواض الزرع على الشرفات، العناوين اليومية للنشرات الإخبارية، البيوت المتشظية…
كلها مشاهد حربٍ ما زالت تعيش في ذاكرتي، وأتنفّس معاناتها.
أما اليوم، فيبدو أن محبرتي تلوّنت بلون الوعي،
وعيٍ تخطّى مفهوم دمار الحجر وشهادة البشر.
فإذا بقصف الجنوب وإراقة دماء الأبرياء يُبكمها،
ويشير إلى إنسانيةٍ تُقصف، وتُدمَّر، وتُباد بكل ما للكلمة من معنى.
أرضٌ مثخنة بالجراح، يولد أبناؤها بين الحرب والانتظار.
تقف الأمم متفرّجة، مستنكرة ببيانات فارغة، شاهدةً على المآسي.
تغلق حدودها، تمنع الأصوات، وتكتفي بالتقاط الصور التذكارية…
وهلمّ جرًّا من التزيّف والتملّق وشهادات الزور.
أصعب من قسوة مشاهد الموت والدمار،
قسوة قلوبٍ تراها وتسكت عنها.
اليوم هم الشهداء…
وغدًا قد نكون جميعًا.
غافلون عن مصيرنا، نكتب بأبجديةٍ مبتورة وعلى خطوطٍ ملتوية
ثمن اللاإنسانية،
والرضوخ للهمجية المتربصة بنا.
✍️
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net