Screenshot

بيئة المقاومة

بقلم: أمين السكافي

ثمة لحظات في حياة الإنسان تتوقف فيها الكلمات عند عتبة الدهشة، ويصبح الشعور أكبر من اللغة، وأعمق من أن يُحاط به وصف أو تفسير. هكذا كنت وأنا أتابع البرامج السياسية التي تنقل وقائع العدوان الإسرائيلي، وتبث مشاهد المعارك الدائرة بين آلة الحرب الجبارة وبين رجال قرروا أن يقفوا في وجهها بإيمانهم وإرادتهم قبل سلاحهم.

كنت أراقب تلك المشاهد بعين المتابع وعقل المحلل، إلى أن جاءت لحظة سلبتني قدرة التحليل، وأخذتني إلى فضاء آخر من التأمل واليقين. مقابلة عابرة على الشاشة مع رجل لم يمضِ على استهداف منزله سوى ساعة واحدة. ساعة فقط كانت كافية لتهدم بيتاً، وتطفئ أرواحاً، وتترك في القلب جرحاً لا يندمل. فقد الرجل عائلته تحت ركام العدوان، زوجته وأطفاله، دمهم ما زال طرياً على حجارة البيت، والدخان لم يتبدد بعد.

لكن ما لم أكن مستعداً له هو أن أرى ذلك الرجل واقفاً شامخاً كجبل، لا ينوء تحت ثقل الفاجعة، ولا تنكسر في عينيه إرادة الحياة والكرامة. كان يتكلم بصوت ثابت، مفعم بالعزة، يردد بأن ما جرى هو فداء للمقاومة، وفداء للسيد الشهيد حسن نصرالله، وكأن الألم الذي يسكن صدره قد تحول إلى نور يقوده نحو معنى أكبر من الفقد.

في تلك اللحظة أدركت أن ما نسميه بيئة المقاومة ليس مجرد تعبير سياسي أو توصيف اجتماعي، بل هو حالة إنسانية استثنائية، تكاد تلامس الأسطورة في معناها الأعمق. إنها تلك الروح الجماعية التي تجعل الإنسان يرى في تضحياته جزءاً من قدر أكبر، وفي صبره امتداداً لرسالة يؤمن بها حتى أعماق روحه.

بيئة المقاومة ليست مجرد جمهور يصفق للانتصارات، بل هي أم تقدم فلذة كبدها وهي تستودعه الله، وأب يشيع أبناءه وهو يرفع رأسه نحو السماء راضياً بقضاء الله، وبيت يتحول إلى ركام لكنه يبقى عامراً بالعقيدة التي لا تهدمها الصواريخ.

من هنا نفهم سر تلك البسالة التي يبديها المقاومون في الميدان. فالمقاتل الذي يقف على تخوم النار لا يقاتل وحده؛ خلفه شعب كامل من القلوب المؤمنة، من الأمهات الصابرات، من الآباء الصامدين، من البيوت التي تحولت إلى حصون معنوية تحرس إرادته وتمنحه القوة.

ذلك الرجل الذي رأيته على الشاشة لم يكن فرداً معزولاً، بل كان مرآة لآلاف الرجال والنساء الذين اختاروا أن يكونوا جزءاً من هذه الحكاية الكبرى. حكاية شعب آمن أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالصبر والتضحية.

ولهذا، كلما اشتد العدوان وتكاثرت الجراح، ازددت يقيناً بأن سر صمود المقاومة لا يكمن في السلاح وحده، بل في ذلك الحضن الشعبي الذي يحتضنها، في تلك البيئة التي تمنحها روحها ومعناها، وفي تلك القلوب التي ترى في التضحيات جسراً نحو الكرامة.

إنها بيئة المقاومة؛ ذلك النبع الذي لا ينضب من الإيمان والعزة، وتلك الأرض التي كلما سُقيت بالدم، أنبتت مزيداً من الصمود والرجال

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …