حرّض، خوّن، زوّر، لا بد أن يعلق شيء! المسيّرات في السماء والإعلام الإبراهيمي على الأرض

نزار نمر – الأخبار

مع دخول «حزب الله» المعركة، تحوّل بعض الشاشات اللبنانية من منابر نقد سياسي إلى منصّات تعبئة وتحريض مباشر. بين مقدّمات نارية تتبنّى خطاب «الاجتثاث»، ونشر قوائم أسماء على نحو يُفهم منه الاستهداف، يطرح المشهد سؤالاً خطيراً: متى يصبح الإعلام شريكاً في صناعة مناخ القتل؟

أتت مشاركة المقاومة في لبنان في صدّ العدوان الصهيوني ــ الأميركي على إيران بمنزلة الحجّة الممتازة للقنوات لكَي تشنّ هجوماً مسعوراً على «حزب الله»، بما فيها تلك التي كانت تدّعي الحيادية.

كان واضحاً أنّ الحملة لا تتعلّق البتّة بالتململ الذي واجهه الحزب، بل بدا كأنّها محضّرة مسبقاً في مطابخ وزارة الخزانة الأميركية وتنتظر فقط اللحظة الملائمة لإخراجها إلى المائدة. هكذا، قادت mtv وأخواتها التحريض على الحزب، متخطّيةً النقد المشروع إلى التحريض المباشر حتّى يخال للمرء أنّها قناة عبرية!

تحريض ضمني على الجيش

في نشرتها مساء الإثنين، قوّت mtv من «دوز» هجومها اليومي على الحزب ضمن مقدّمتها، فأوردت أنّه «بستّة صواريخ لم تُلحق أيّ ضرر بإسرائيل، كشف «حزب الله» مرّة أخرى عن وجهه الحقيقي، مثبتاً أنّه منتج إيراني مئة في المئة. فقرابة الواحدة من بعد منتصف الليل، ارتكب الحزب جريمتَين متتاليتَين بحقّ جهتَين.

الأولى بحقّ اللبنانيّين عموماً وأبناء بيئته خصوصاً، الذين تشرّدوا من بيوتهم وهاموا على وجوههم في ليل بارد من دون أن يعرفوا لا إلى أين يتّجهون، ولا أين يستقرّون! أمّا الخطيئة الثانية، فبحقّ الدولة اللبنانية التي وعدها الحزب بأنّه لن يتدخّل في حرب إسناد جديدة، فإذا به، وكعادته، يمارس عملية غدر موصوفة بحقّ رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب ورئيس الحكومة، ما يثبت أنّ وعوده ليس فيها شيء من «الوعد الصادق»، وهي للاستهلاك ولكسب الوقت ليس إلّا».

وأكملت المقدّمة متحدّثةً عن «بدء مرحلة جديدة في لبنان عنوانها بداية اجتثاث حزب الله أمنيّاً وعسكرياً»، محرّضةً على المقاومة ولبنان وضمناً الجيش عبر تبنّي الذرائع الصهيونية والمطالب الأميركية علناً، كأنّ على لبنان أن يلتزم بأيّ أمر يفيد مصالح الولايات المتّحدة لمجرّد أنّها طلبت ذلك! وأنهت mtv مقدّمتها قائلةً «إنّ حزب الله غير صادق إلّا في كذبه، فمتى تدرك السلطة ذلك وتتعامل معه على هذا الأساس؟».

أتبعت mtv ذلك بسلسلة تقارير أكملت على الوتيرة ذاتها، من ضمنها واحد عنونت فيه «حزب يلتزم عدم الالتزام والانقلاب على الوعد من قلب صفاته»، طبعاً من دون أيّ إشارة إلى «إسرائيل» التي يبدو أنّ القناة تراها ملتزمة بكلّ «وعودها»!

تحريض إعلامي على الجيش اللبناني

من جهتها، لم تكن «الجديد» وLBCI أفضل حالاً بكثير. سألت «الجديد» في مقدّمتها مساء الإثنين: «أهو انتحار برصاصة الرحمة؟ أم سوء تقدير؟ أم تبعية عمياء وورقة في مهبّ الريح الإيرانية؟ أو انقسام الخلية الحزبية على نفسها حتّى صار القرار قرار أجنحة متناحرة بين أبناء الجلدة الواحدة بسياستها وعسكرها لا قرار مركزيّاً توارى عن الأنظار؟».

أمّا LBCI فخصّصت مقدّمة طويلة جدّاً، مستخدمةً لغة التعالي عبر عبارات مثل الآتية: «انتهت الحرب في 27 تشرين الثاني 2024 بقرار يقول «حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية». جملة يفهمها طالب في الصفّ الابتدائي، وعندما يكون النصّ واضحاً لا يحتاج إلى اجتهاد». ومثل mtv، اعتبرت LBCI ألّا شيء يسمو فوق المشيئة الأميركية، محرّضةً كذلك على الجيش ضمناً، فأوردت أنّه «كلّما كانت تصرّ الولايات المتّحدة الأميركية، كان لبنان يلاقي هذا الإصرار إمّا بالتذاكي وإمّا باللامبالاة، على طريقة جحا الذي قال إنّه يستطيع أن يعلّم الحمار القراءة في سنة، وحين سُئل أجاب: في خلال سنة، إمّا يموت الملك وإمّا يموت جحا وإمّا يموت الحمار».

وحاولت القناة «تكحيلها» عبر إيراد أنّ «هناك في أميركا رئيساً اسمه دونالد ترامب يلاحق آخر شخص وآخر تنظيم وآخر دولة على الكرة الأرضية، مسّ شعرة من رأس مواطن أميركي»، قبل أن تعود و«تعميها» بإيراد أنّه «اليوم يقول الأميركيّون: المطلوب إنهاء «حزب الله»، ومطلوب من الدولة اللبنانية إنجاز هذه المهمة. وما لم تقم بإنجازها، فإنّها تكون قد وعدت بها ولم تلتزمها». وفجراً، استضافت القناة عبر الهاتف رئيس «مجموعة العمل الأميركية لأجل لبنان» إد غبريال. أمّا OTV فأوردت في مقدّمتها: «الدولة ثمّ الدولة ثمّ الدولة».

mtv وقوائم القتل

انتقالاً إلى الصفحات الافتراضية، كانت mtv تنشر قائمة قتل (kill list) ضدّ صحافيّين! هي ليست المرّة الأولى التي تنشر فيها قناة المرّ أسماء شخصيّات تحرّض فيها على قتلهم، وحتماً ليس بالأمر المفاجئ من القناة التي كانت في عزّ العدوان على لبنان في خريف 2024 تحرّض على قتل المسعفين وقصف مراكز الإيواء. هكذا، وضعت mtv صوَر شخصيّات إعلامية وسياسية مع أسمائهم، هم: حسن علّيق، فادي بوديّة، علي حجازي، ناصر قنديل، فيصل عبد الساتر، نجاح واكيم، حسين مرتضى، بيار أبي صعب… أعقبت ذلك بكلمات «وبعد في غيرن… عم يحرّضوا ويتسبّبوا بموت اللبنانيّين. هيدي مش حرب، هيدا انتحار».

فلنتخيّل للحظة أيّ وسيلة إعلامية أخرى تحترم نفسها تقوم بالأمر ذاته حيال مدنيّين لا توافقهم الرأي… والطامة الكبرى أنّ القناة تدري تماماً أنّها تحرّض العدوّ على قتلهم، ولن تنفع تبريراتها بأنّه لا يحتاج إلى ذريعة كونهم ليسوا محاربين ولا يتبعون لـ«حزب الله»!

وكانت القناة ذاتها قد بثّت تقريراً إخباريّاً لرامي نعيم في 29 أيلول (سبتمبر) الماضي، حمل عنوان «مسيحيّون ذمّيّون في جعبة «حزب الله»»، وعدّدت فيه أسماء شخصيّات معروفة وحرّضت عليها واحداً تلو الآخر، فقط بسبب إبراز حزنهم على السيّد الشهيد حسن نصرالله. ومن هؤلاء المسؤولة في «تيّار المردة» فيرا يمّين، والمدرّب غسّان سركيس، والإعلامية رندلى جبّور، الممثّلان يوسف حدّاد ورودني حدّاد، والصحافي غسّان سعود الذي وصفه معدّ التقرير في حينه بالشتّام. هكذا، تبرز قناة المرّ نفسها ليس فقط كأداة في يد آلة الإبادة الصهيونية وسرديّتها، بل أيضاً كمستخدمة لوسائل الابتزاز والتحريض المافيوية ذاتها لدى الـCIA والـ«موساد».

«لا للحرب» vs تحريض على قتل الخصوم

إذا كانت هذه عيّنة من اليوم الأوّل فقط من دخول «حزب الله» المعركة، فبإمكان المرء أن يتخيّل فقط ما سيأتي في الأيّام المقبلة من بلّة إعلامية على طين صهيوني مبلول من المصنع. هناك حتماً إشكالية وقعت حول شكل الدخول وتوقيته، حتّى بين مناصري الحزب نفسه، ما يؤكّد على أنّ بإمكان الإعلام النقد البنّاء أو على الأقلّ المحترم. غير أنّ بعضه اختار رفع السقف وصولاً إلى التحريض على قتل خصومه، فيما يدّعي في الوقت ذاته أنّه لا يحبّذ الحرب!

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …