الكاتبة :خلود خالد الحوثي
في تاريخ الشعوب والأمم، لا تخلّد الذاكرة الجماعية أولئك الذين مرّوا مرور العابرين، بل تحفظ أسماء القادة الذين صاغتهم الرسالة، وربّتهم المحن، وصقلتهم التضحيات، فصاروا عنوانًا للثبات، ورمزًا للكرامة، وشاهدين على أن القيادة الحقيقية تُبنى بالإيمان والعمل، لا بالشعارات والمصالح.
ومن بين هؤلاء القادة، يبرز الإمام علي خامنئي بوصفه أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في العالم الإسلامي المعاصر، وقائدًا امتدت مسيرته قرابة تسعين عامًا من الجهاد، والصبر، والبناء المتواصل، في مواجهة التحديات السياسية والفكرية والاقتصادية والعسكرية.
لم تكن حياته مسارًا هادئًا، ولا رحلة استقرار ، بل كانت طريقًا طويلًا محفوفًا بالابتلاءات، قائمًا على الإيمان العميق بأن النصر لا يُمنح مجانًا، بل يُنتزع بالصبر، والثبات، والعمل الواعي.
نشأ في بيئة علمية ودينية، فتشرّب منذ صغره توجيهات القرآن، وحب السير في نهج آل بيت النبي عليهم السلام ،والالتزام بالقيم الإسلامية، والشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعه وأمته.
وعي منذ بداياته أن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادات، بل مشروع حضاري متكامل، يقوم على العدالة، والحرية، والاستقلال، وكرامة الإنسان وقد استلهم في مسيرته قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
[التوبة: 111] فجعل من حياته نموذجًا للتفاني في خدمة القيم والمبادئ.
دخل مبكرًا معترك المواجهة مع أنظمة الاستبداد، وتعرّض للاعتقال والملاحقة، ثم لمحاولة اغتيال تركت أثرًا دائمًا في جسده، لكنها زادته صلابةً في الموقف، وقوةً في الإرادة،خرج من تلك التجربة أكثر إيمانًا بأن طريق الحق محفوف بالتضحيات، وأن الثبات هو شرط البقاء والاستمرار.
أدرك منذ وقت مبكر أن معركته الأساسية ليست مع أفراد أو حكومات، بل مع منظومة عالمية من الهيمنة والاستكبار، تسعى إلى إخضاع الشعوب، وتفريغها من إرادتها، وسلبها قرارها المستقل، لذلك اختار نهج المواجهة الواعية، القائمة على بناء الإنسان، وتعزيز الوعي، وترسيخ الاعتماد على الذات بـ التؤكل على الله سبحانة وتعالى .
وحين تولّى مسؤولية القيادة، لم يتعامل معها بوصفها موقعًا للنفوذ، بل أمانة شرعية وتاريخية، كما في قوله تعالى:﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ [الأحزاب: 72]فجعل من الحكم خدمةً للأمة، ومن السلطة وسيلةً لحماية الاستقلال، ومن القرار السياسي أداةً لصون الكرامة الوطنية.
وعلى امتداد عقود قيادته، واجه ضغوطًا غير مسبوقة: عقوبات اقتصادية، وحصارًا دوليًا، وحملات إعلامية، وتهديدات أمنية، ومحاولات متواصلة لعزل بلاده سياسيًا، ومع ذلك، حافظ على توازن استراتيجي قائم على الصبر، والتخطيط، والثقة بوعد الله.
وقد جسّد في ذلك قوله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾
[البقرة: 155] فلم يكن الصبر عنده موقفًا سلبيًا، بل استراتيجية واعية، تحوّل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى دوافع للنهوض.
وفي مواقفه الإقليمية والدولية، شكّلت قضايا فلسطين ولبنان محورًا ثابتًا في رؤيته السياسية والأخلاقية فقد اعتبر القضية الفلسطينية معيارًا للعدالة الدولية، وميزانًا لمصداقية النظام العالمي، مؤكدًا أن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم،واستند في ذلك إلى قوله تعالى:﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ﴾
[القصص: 5] فدعم حركات المقاومة سياسيًا ومعنويًا، ورفض مشاريع التطبيع، ورأى في الصمود طريقًا لحفظ الحقوق، وفي الاستسلام بداية لفقدانها.
وعلى المستوى الداخلي، تميّز أسلوب قيادته بالتواضع، والبساطة، والقرب من الناس، لم يُعرف عنه الترف أو الانفصال عن المجتمع، بل حافظ على نمط حياة يعكس قناعاته الفكرية والدينية، ويعزّز ثقته الشعبية.
ومن أقواله التي تعبّر عن فلسفته في القيادة الحكيمة: «نحن نؤمن بأن النصر من عند الله، لكنه لا يُمنح للمتخاذلين.»ويقول أيضًا: «الخطر الحقيقي ليس في قوة الأعداء، بل في ضعف الإيمان داخل النفوس.» ويؤكد: «المقاومة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.» هذه الأقوال لم تكن مجرد خطاب، بل إطارًا عمليًا لسياساته ومواقفه.
لقد أسّس خلال مسيرته الطويلة مشروعًا قائمًا على الاستقلال السياسي، وبناء القدرات الذاتية، وتعزيز الهوية الثقافية، والاعتماد على العلم والمعرفة، وحوّل الحصار إلى محفّز للإبداع، والعزلة إلى فرصة لتعزيز السيادة الوطنية وكان يستحضر دائمًا قوله تعالى:
﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]فجاءت تجربته السياسية ترجمة عملية لهذا الوعد: ثبات في الأزمات، واستمرار في البناء، وحضور فاعل في المعادلات الإقليمية.
وفي ختام هذه المسيرة الطويلة، التي امتدت قرابة تسعين عامًا من العطاء والجهاد والصبر والبناء، يظلّ الإمام القائد حاضرًا في ضمير أمته، شاهدًا على أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في المناصب، بل بصدق الرسالة، وعمق الأثر، وثبات الموقف حتى آخر لحظة من العمر.
لقد عاش حياته كلها وهو يحمل همّ الإسلام، وكرامة الأمة، وحقوق المستضعفين، ولم يعرف يومًا طريق المساومة أو التراجع، سار في دربٍ محفوف بالمخاطر، مليء بالتضحيات، ولم ينحرف عنه، حتى بلغ ذروة عطائه، فختم مسيرته بالشهادة، مجسّدًا المعنى الأسمى للفداء في سبيل الله والحق.
وبرحيله شهيدًا، لا تُطوى صفحة رجل، بل يُفتَح فصلٌ خالد في تاريخ الوعي والمقاومة والثبات. فقد ارتقى وهو متمسك بمبادئه، ثابت على نهجه، وفيٌّ لما عاهد الله عليه .
قال تعالى: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ [آل عمران: 185] لقد فاز الإمام القائد فوزًا عظيمًا؛فاز بثباته حين تراجع كثيرون،وفاز بصدقه حين غلبت المصالح،وفاز بإخلاصه حين سقطت الأقنعة،وفاز بشهادته حين ختم حياته كما عاشها: واقفًا في صف الحق.
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾[آل عمران: 169] فلم يكن رحيله نهاية لمسيرته، بل بداية لحضورٍ أعمق في وعي الأجيال وذاكرة الشعوب، تحوّلت حياته إلى مدرسة، واستشهاده إلى رسالة، وذكراه إلى وقودٍ معنويٍّ لا ينطفئ.
لقد كتب سيرته بمداد الصبر، ووقّعها بدم الشهادة، وختمها بوسام الخلود، سيبقى رمزًا لقائدٍ لم يبع قضيته، ولم يساوم على أمته، ولم يخذل شعبه.
رحل جسدًا، وبقي أثرًا،
وغاب شخصًا، وحضر مشروعًا،
واستشهد قائدًا، وانتصر نهجًا.
#اتحاد_كاتبات_اليمن
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
