روحانية رمضان

طه دخل الله عبد الرحمن

حين تتصفح الأيام صفحات العمر، وتنقضي الشهور كأنها ومضات عابرة، يقبل شهر رمضان كأنه نسمة فجر تتسلل إلى غفوة القلب فتوقظه على ضوء لا يشبه الأضواء، وهواء لا يشبه الأهواء. إنه ذلك الضيف الذي لا يطرق الأبواب، بل يطرق الأرواح، فيدخلها من حيث لا تحتسب، فيقلب موازينها، ويبدل خرائطها، ويجعل منها ممالك من النور تتسع للسماء وأهلها.
روحانية رمضان هي ذاك السر الخفي الذي يجعل من الجسد المحكوم بالجوع والعطش، جسدا محلّقا في آفاق لا يبلغها إلا من خلع عن كاهله ثقل الشهوات. تصوم المعدة لتفطر الروح، وتجوع الجوارح لتشبع البصيرة، ويجف الريق لتنهمر العبرات. إنها معادلة إلهية لا يفك رموزها إلا من دخل إلى رحاب الشهر بقلب مفعم بالإيمان.
تأملوا معي ذلك الإنسان الصائم في نهار رمضان: عيناه تنظران إلى الدنيا بنظرة الزاهد العارف، ويداه تمتنعان عن الحرام امتناع العفيف، وقدماه تسعيان إلى المساجد سعي المشتاق. إنه ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو ارتقاء في مدارج الكمال البشري، حيث يصبح الإنسان سيد جوارحه لا عبدها، وملك أعصابه لا أسيرها. الصوم هنا ليس حرمانا، بل هو عطاء ليس نقصا بل هو زيادة ليس موتا بل هو ميلاد جديد للنفس الزكية.
وفي الليل تتجلى الروحانية في أبهى صورها. ترى المساجد تعج بالمصلين، وكأنها خلايا نحل لا تعرف الكلل. وقوف بين يدي الله، وسجود يمحو الخطايا، وركوع يخفض الرؤوس المتكبرة، وتراويح تروي القلوب الظامئة. ثم يأتي السحور في سكون الليل، حيث تنزل الرحمة كقطرات الندى، وتستجاب الدعوات، ويجتمع الأهل على مائدة لا يعلوها صخب الدنيا. وفي الأفق البعيد، يتنقل المؤمنون بين آيات الذكر الحكيم، يقرؤونه بتدبر وخشوع، فيجدون في كل آية نورا، وفي كل سورة بابا إلى الجنة.
ما أعمق تلك اللحظات التي تسبق الإفطار! حين يكون الصائم على وشك أن يفطر، وقد أنهكه الجهد، وأتعبه الصيام، ثم يرفع يديه إلى السماء داعيا. في تلك اللحظة، تتساقط الأقنعة، وتتهاوى الحواجز، ويقف العبد أمام خالقه عاريا إلا من حاجته وفقره. ليس معه مال، ولا جاه، ولا سلطان، فقط معه ذلك القلب الخاشع، وتلك العين الدامعة، وذلك الرجاء الذي لا يخيب. وفي تلك اللحظات، تتنزل الرحمات، وتفتح أبواب السماء، وتقال العثرات.
روحانية رمضان لا تقف عند حدود العبادات الفردية، بل تمتد لتشمل المجتمع كله. ترى الناس وقد تغيرت طباعهم، فالبخيل يصبح كريما، والغليظ يلين، والمتشاحنون يتصافحون. إنها الثورة البيضاء التي تقلب القلوب رأسا على عقب، فتصنع منها قلوبا جديدة تنبض بالحب والخير والعطاء. موائد الرحمن تمتد في الشوارع، والجيران يتبادلون الأطباق، والصدقات تفيض كالسيل، والابتسامات تعلو الوجوه. وكأن الدنيا كلها أصبحت أسرة واحدة، تجمعها محبة الله، وتؤلف بينها طاعته.
وفي العشر الأواخر، تبلغ الروحانية ذروتها. يشد الرحال إلى المساجد للاعتكاف، فينقطع الإنسان عن الدنيا أياما، يتفرغ فيها لعبادة ربه، وتصفية نفسه، وتزكية قلبه. في تلك الأيام المباركة، يحاول المؤمن أن يدرك ليلة القدر، تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر، والتي تتنزل فيها الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر، سلام يغمر القلوب، ويملأ الأفئدة، ويجعل من الكون كله مسجدا يعج بالذكر والدعاء.
ثم يأتي يوم العيد، تتويجا لهذا الشهر الروحاني العظيم. تخرج الناس إلى المصليات يرددون التكبير، فرحين بما من الله عليهم من إتمام الصيام والقيام. في ذلك اليوم، تتصافح الأيدي، وتتعانق الأجساد، وتتصافى القلوب. إنه العيد، فرحة الصائمين، وجائزة المحسنين، ويوم الجوائز من رب العالمين.
رمضان يا سادة، ليس مجرد شهر نمتنع فيه عن الطعام والشراب، ثم نعود بعدها لحياتنا كما كانت. كلا! إنه مدرسة تتخرج منها النفوس مؤهلة لقيادة الحياة بنور الله. إنه محطة تزود يتزود منها المؤمن زادا يكفيه للعام كله. إنه نبع لا ينضب، متى شربت منه رويدا رويدا، ارتويت مدى الدهر.
فاللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا، فغفرت له ما تقدم من ذنبه. اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم، واكتب لنا فيه روحانية تشرح بها صدورنا، وتنير بها دروبنا، وتجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. واجعل لنا فيه نصيبا من رحمتك التي وسعت كل شيء، واجعلنا من الذين إذا ذكروا بك اهتزت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياتك زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.
كل عام وأنتم بألف ألف خير.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل

شاهد أيضاً

“رصاصة” هيام التوم

  من كم يوم رحت أعمل بوتوكس لإنو عندي الجأرة اللي بالجببن حافرة خندق بالأصل …