سيمون غريشي… «إبستين لبنان» حالة أولى

 

بشير صفير

انتحر (بفَتح التاء أو بضَمِّها) جيفري إبستين قبل أسابيع قليلة من بداية انتشار كورونا. وكما حصل في «قضية» الفيروس، الذي ظهر في نقطة محددة وبدأ ينتشر إلى أن صار وباءً، هكذا يحصل الآن بـ«قضية إبستين». وكما وصل الفيروس إلى لبنان، هكذا أيضاً فعل «إبستين» الذي بات أشبه بوباء أخلاقي، وها هو اسم «المصاب» الأول يُسجَّل على «منصّة إبستين».

إنه عازف البيانو الكلاسيكي اللبناني، المقيم في باريس والحاصل على الجنسية الفرنسية، سيمون غريشي (1985). الرجل زار لبنان أكثر من مرّة لتقديم أمسيات كلاسيكية، كما قدّم ضمن «مهرجانات بعلبك» (تموز/ يوليو 2022) أمسية هجينة تجمع الرقص بالموسيقى، إلى جانب رنا غورغاني (1986 — فرنسية من أصل إيراني)، المتخصصة بالرقص الصوفي الفارسي.

غريشي عازف بيانو ماهر، لكن أمثاله بالآلاف في العالم. وعندما نشر ديسكاً عند الألماني «دويتشه غراموفون» (الناشر الأكثر جدية في مجال الموسيقى الكلاسيكية) ارتبنا قليلاً. فالوصول إلى «اللوغو الأصفر» ليس بالأمر السهل. لكننا في حينها فَرِحنا لوصول غريشي إلى هذه المرتبة، انطلاقاً من انحيازٍ وطني محدود لم (ولا يجوز أن) يبلغ حدّ التزوير، كالقول إنه أعظم عازف في العالم، على اعتبار أن اللجوء إلى «أفعل التفضيل» هو الرياضة الوطنية لدى اللبنانيين عموماً، كما تعلمون (راجع «الأخبار» عدد 23 نيسان/ أبريل 2017).

توقّعنا آنذاك أن ينتقل العازف الشاب من شخصية مغمورة، تعرفها حلقة ضيّقة من المهتمين بالمجال، إلى نجم سيُسمع باسمه في بلده كما في العالم، وهذا ما حصل.

العقد مع «دويتشه غراموفون» كان محدوداً بالزمن (بخلاف العقود الحصرية، التي يوقّعها الناشر العريق مع أسماء لها مكانة فنية أعلى من غريشي) ونتج منه ديسك أول عام 2017 وآخَر عام 2019، وفي الحالتين لم يكن برنامجه «جدّياً» إن صح التعبير، إذ أتى على شكل باقة من الأعمال القصيرة بغالبيتها (خصوصاً في الديسك الأول).

ليست المقالة اليوم للكلام على ديسكاته (ثلاثة، إذا أضفنا باكورته عند ناشر مغمور عام 2015) أو عنه كعازف بيانو ماهر، بل عن مهارة أخرى، يبدو أنه تمتّع بها وأكّدت ريبتنا السابقة.

وقع ضحية رغبته بإطلاق مسيرته مهما كان الثمن

فالرجل عرف أنّ كَتِف النجومية تؤكَل من جهة العلاقات، وهكذا وصل إلى جاك لانغ (الوزير الفرنسي الاشتراكي السابق ومدير «معهد العالم العربي» في باريس المستقيل حديثاً لغرقه في مستنقع فضيحة العصر) الذي ربطه بإبستين، والذي بدَورِه لم يردّه خائباً، على ما يبدو. غريشي التقى بإبستين في باريس عام 2013، بحسب الوثائق، وبدأ تبادل الرسائل الإلكترونية معه منذ مطلع 2014، وبعضها يبيّن اهتمام السفاح الأميركي بالموسيقي «الباريسي» والسعي إلى دعمه لكي «يشبك» مع عالم البزنس الموسيقي (صالات عريقة، مهرجانات مهمّة، إلخ). وصولاً إلى الاهتمام بمسائل أكثر حميمية، لكن لا ضرورة لذكرها والتعليق عليها، أقله الآن، لعدم وضوح مدى «خطورتها».

لا يجوز إلصاق أي تهمة بسيمون غريشي ما لم يصدُر اتهامٌ رسمي عن سلطة قضائية. لكن يجوز، وبضمير مرتاح، القول إنه وقع ضحية رغبته بإطلاق مسيرته مهما كان الثمن، وما يدفعه اليوم، لمجرّد قبوله الانخراط في عالم الوباء الأخلاقي، هو الثمن الذي أراد (أي بكامل إرادته) أن يدفعه ويجب أن يسدّده. أين وصل في العلاقة مع «المحسوب عليه» (كان يشار إليه بالـprotégé في الوثائق)؟ ماذا كان يعلَم؟

بما انخرط؟ هذا ليس من شأننا، حتى إشعار آخر… أي حتى تتّضح الصورة وتُثبَت الإدانة، إن وُجِدَت، قضائياً. ويجوز أيضاً، بمفعول رجعي، الارتياب مجدداً بما خصّ «دويتشه غراموفون»، إذ تقرأ على غلاف الديسك الأول لغريشي «شكراً خاصاً لصديق على دعمه الصادق» (حرفياً، بالإنكليزية) لم يُذكر إلا بالأحرف الأولى من اسمه في عام 2017 لن يعني الأمر شيئاً. لكن الأحرف J. E. E. اليوم تعني الكثير… واحتمال ألا تعني «جيفري إدوارد إبستين» إن لم يكن أشبه بنكتة سمجة، فهو ضئيل جداً.

باستثناء «الشكر الخاص» على كتيّب الديسك، تناولت (وستتناول) الصحافة الأجنبية قضية غريشي/ إبستين من كل جوانبها. لكن هناك أمر أهم لم (وربما لن) تتناوله، وهو ما يحيلنا إلى اتهام إضافي مشروع: الفنان العالمي الذي طبّل له اللبنانيون لدعمه لبنان معبر حفلة في «معهد العالم العربي» عام 2021 ثم في «بعلبك» عام 2022، لم يسمع نشرة أخبار، على ما يبدو، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023… وهذا لا يُفهم إلا أنه حرصٌ على عدم التفريط بما بناه له (شبه) العميل الإسرائيلي قبل الانتحار. فأن تُدين إبادة هو أيضاً انتحار.

بَيع الإنسان روحه للشيطان مسألةٌ من دون تاريخ بداية ولا تاريخ نهاية. هي قديمة قِدَم البشر وباقية ما بقي بشر. وهناك فرق بين «بيع» و«بيع». لهذا السبب لا يوجد قانون موحّد وعقوبة موحّدة لكل الجرائم. لكن الأكيد أن الكثير من الموهوبين في هذا العالم ظُلِموا ويُظلَمون لأنّ ليس عندهم «أي شيء للبيع»… وهذه المقالة، ليست تشهيراً بغريشي، بل تحيةً لهم، كي لا يَضعُفوا إن ضَعِفوا.

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …