الفرق الخيرية في عمان: إنطلاقة شبابية وقيود بيروقراطية. ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ” (88) هود)

 

كتبه: يونس الربيعي

يشكّل العمل الخيري ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، سواء في العالم الإسلامي أو الغربي، إذ يسهم في تعزيز التكافل الاجتماعي وسدّ الفجوات التي قد تعجز البرامج الحكومية عن تغطيتها. وفي حين تعمل الجمعيات الخيرية في كثير من الدول ضمن أطر قانونية وتنظيمية واضحة ومرنة، فإن ما يُعرف بـ “الفرق الخيرية” في سلطنة عمان واجهت تحديات تنظيمية وقانونية معقدة جعلت مسيرتها محفوفة بالصعاب.

في المجتمعات الإسلامية، ينطلق العمل الخيري من ركن من أركان الدين ومبدأ شرعي أصيل يتمثل في أهمية إخراج الزكاة والصدقة ودفعها للمستحق ومن مبدأ التكافل الاجتماعي وحسن الجوار ومساعدة الفقير. وتقوم الجمعيات الخيرية (أو الفرق الخيرية) كمؤسسات تعمل على تحقيق هذه الأهداف السامية من دعم للأسر المحتاجة، ورعاية للأيتام، وتقديم المساعدات الإغاثية أثناء الكوارث، وترميم المنازل مما يعزز التماسك الاجتماعي ويقلل من الفجوات الاقتصادية بين طبقات المجتمع، وينعكس ذلك إيجابًا على سلامة المجتمع وأمنه، وهذا أمر واضح للمعنيين والمهتمين ولا يحتاج إلى مزيد تفصيل.

والجمعيات بشكل عام في العالم الإسلامي مؤسسات معززة بروح اجتماعية وإيمانية. أما في المجتمعات الغربية، فقد تحولت الجمعيات الخيرية إلى مؤسسات منظمة ذات تأثير اقتصادي واجتماعي كبير، تُقاس مساهماتها في الناتج المحلي وتندرج ضمن مفهوم القطاع الثالث.

شهدت سلطنة عمان قبل أكثر من خمسة عشر عاما ظاهرة اجتماعية ومبادرات شبابية جديدة تمثلت في ظهور وانتشار “الفرق الخيرية” انطلقت بدافع خدمة المجتمع، وسرعان ما تحولت إلى كيانات أكثر تنظيمًا. تميزت هذه الفرق بكونها قريبة من الناس، تنبض من داخل الأحياء والقرى في الولاية الواحدة، وتتعرف على احتياجات الأسر المحتاجة عن قرب.

اعتمدت الفرق الخيرية في بداياتها على وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة للتعريف بأنشطتها واستقطاب المتبرعين، الأمر الذي أسهم في توسعها وانتشارها بشكل ملحوظ. ولم يقتصر دورها على توزيع المساعدات الغذائية أو النقدية، بل امتد ليشمل تنظيم حملات توعية، ودعم طلاب العلم، وتقديم الإغاثة في حالات الطوارئ مثل الأعاصير أو السيول التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة. ورغم أهمية الدور الذي تلعبه، تواجه الفرق الخيرية في عُمان بعض التحديات التي حدّت من فعاليتها وأثّرت على مرونتها، ويمكن تلخيصها (وإن كانت متداخلة) في ثلاث نقاط رئيسية:

1. غياب قانون منظم.

لا يوجد قانون مباشر أو واضح (إن صح التعبير) يستوعب طبيعة الفرق الخيرية. ففي حين وُضعت الأطر القانونية للجمعيات بشكل عام والجمعيات الخيرية (وهي قليلة ومحدودة في سلطنة عمان)، أُلحقت الفرق والتي تنتشر في جميع ولايات السلطنة تحت مظلة “لجان التنمية الاجتماعية” ورغم أن هذا الإلحاق منحها غطاءا قانونيا، إلا أنه في المقابل قيد من استقلاليتها. ومع مرور الوقت، بدا أن الفرق تتحرك ضمن هامش ضيق من الصلاحيات، مما انعكس سلبًا على قدرتها على الابتكار والاستجابة السريعة.

2. الإجراءات الرسمية المعقدة (البيروقراطية).

من أبرز ما يعيق نشاط هذه الفرق هو سلسلة الإجراءات الطويلة التي تتطلبها أي فعالية أو نشاط. إذ يتوجب على الفريق الخيري رفع الطلب إلى مكتب سعادة والي الولاية المشرف على لجنة التنمية الاجتماعية، ومنها إلى دائرة التنمية في الولاية، ثم إلى مديرية التنمية في المحافظة، وصولًا إلى الوزارة، هذا التدرج الإداري يستغرق وقتًا طويلًا ويُفقد المبادرة عنصر السرعة، خاصة في الحالات الطارئة التي تستلزم تحركًا فوريًا. النتيجة أن بعض المبادرات تفقد زخمها مع مرور الوقت، والمتضرر الأول هو المستفيد الذين ينتظر المساعدة.

 

3. غطاء لجان التنمية الاجتماعية.

من الناحية النظرية، يشكل انضواء الفرق تحت لجان التنمية الاجتماعية مظلة تنظيمية وقانونية، لكنه عمليًا أفرز سلبيات عديدة، أبرزها تقلّص استقلالية الفرق، وخضوعها لقرارات اللجنة (التي هي بعيدة عن الميدان) وإجراءاتها الإدارية، الأمر الذي جعل بعض الفرق تشعر أنها مجرد أذرع تنفيذية بدلاً من أن تكون مبادرات مجتمعية ذات استقلالية وحيوية.

كما أن عامل الكفاءة البشرية في هذه اللجان لعب دورًا إضافيًا في تعقيد المشهد، حيث أبدت عدد من الفرق الخيرية استياءها من ضعف خبرة بعض أعضاء لجان التنمية الاجتماعية أو غياب رؤيتهم في إدارة العمل الأهلي التطوعي. هذا الواقع انعكس سلبًا على قدرة الفرق على تنفيذ برامجها، وأدى أحيانًا إلى تأخر أو إلغاء مبادرات مهمة بسبب قرارات إدارية غير مدروسة. وهنا يبرز تساؤل: ما هي المعايير التي يجري اعتمادها في اختيار بعض أعضاء هذه اللجان؟ وهل يتم الاختيار بناءً على الكفاءة والخبرة، أم وفق اعتبارات أخرى لا تراعي مصلحة العمل المجتمعي؟ ولا أعني هنا عضوية رؤساء الدوائر أو المؤسسات الحكومية في الولاية.

ورغم أن لجان التنمية الاجتماعية هي من تنظيم وزارة التنمية الاجتماعية وتخضع للوائحها، إلا أن رئاستها تُسند إلى سعادة والي الولاية، وباعتباره ممثلًا لوزارة ذات طبيعة سيادية ألقى هذا الأمر بظلاله على طريقة إدارة اللجان، إذ باتت القرارات (في بعض الولايات) تتأثر بثقل الوالي ومكانته (الاجتماعية) أكثر من التوجهات التنموية البحتة. بعض الفرق الخيرية ترى أن هذا الوضع حوّل العمل الأهلي إلى مجال تُطبّق فيه “عقلية برجوازية”، تتحكم في إيقاع المبادرات وتوجهها وفق معايير أخرى لا وفق احتياجات المجتمع الميدانية.

تحت هذه النقاط الثلاث أمثلة كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، من مبادرات تعطّلت لشهور بسبب تأشيرة (موافقة) إدارية، إلى مشاريع أُلغيت في اللحظة الأخيرة بحجج واهية، وصولًا إلى فرص فاتت، لأن فريقًا خيريًا ظل عالقًا في دهاليز المكاتبات الرسمية بين مكتب الوالي والمديرية والوزارة. بل إن بعض الفرق في بعض الولايات أغلقت أبوابها بسبب هذه التحديات، والأمثلة الحية كثيرة، يعرفها القاصي والداني ممن عاش التجربة أو تابعها؛ قصص فرقٍ استنزفت وقتها وطاقتها في متابعة معاملات روتينية بدلًا من التفرغ لخدمة المحتاجين، وحكايات شبابٍ فقدوا حماسهم حين اصطدمت أفكارهم بجدار البيروقراطية السميك، وهي وقائع تتكرر لتؤكد أن التحدي ليس في ضعف النوايا أو قلة المتطوعين، بل في طبيعة المنظومة الإدارية ذاتها.

عند مقارنة وضع الفرق الخيرية بلجان الزكاة في سلطنة عمان، يظهر التباين الواضح في مستوى السهولة والفاعلية. فالفرق الخيرية تجد نفسها أمام سلسلة طويلة من الاجراءات الادارية، ما يجعل إنجاز أبسط الانشطة يستغرق وقتًا وجهدًا مضاعفين. في المقابل، تعمل لجان الزكاة تحت إشراف مباشر ومنظم من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، حيث تحظى بغطاء قانوني أوضح وآليات عمل أكثر مرونة، إضافة إلى منصة إلكترونية متطورة تمكّنها من جمع التبرعات وإدارتها بيسر وشفافية. هذا النموذج جعل لجان الزكاة أكثر قدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات الأسر المستحقة، وأقل عُرضة للتعقيدات البيروقراطية التي تعاني منها الفرق الخيرية.

الفرق الخيرية في عمان تمثل طاقة مجتمعية لا يمكن الاستغناء عنها، كما أن برامجها أكثر شمولية من مؤسسات تطوعية أخرى، لكنها اليوم تواجه تحد صعب والمطلوب ليس فقط الاعتراف بها، بل تمكينها، وإعادة النظر في آليات الإشراف والرقابة عليها، بحيث تحافظ على شفافيتها دون أن تفقد مرونتها. فالعمل الخيري ليس رفاهية، بل ضرورة لحياة المجتمعات، وعندما يُمنح حقه في التنظيم والدعم، يكون قادراً على إحداث أثر حقيقي يتجاوز حدود المساعدات المباشرة ليصل إلى بناء مجتمع أكثر تكافلًا وإنسانية.

هذا المقال لم يُوجَّه إلى جهة أو شخص بعينه، وإنما جاء بصفة عامة ليضع بعض الملاحظات والحقائق أمام القارئ وأمام المعنيين بالشأن الأهلي. وغاية المقال ليست النقد لذاته، بل الإصلاح والتقويم، انطلاقًا من الحرص على هذه المؤسسات التي تمثل ركيزة أساسية للعمل المجتمعي، والتي إذا أُحسن إدارتها وتطويرها انعكس خيرها العميم على الوطن والمواطن على حد سوا،( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ” (88) هود).

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …