بقلم: أمين السكافي
نولد كما تهبط قطرة المطر على أرضٍ لم تخترها، ولا تعرف لماذا اختيرت دون سواها. لا أحد منّا يوقّع عقد قدومه إلى هذا العالم، ولا يختار ساعة ميلاده، ولا ملامح وجهه، ولا اسمَه، ولا اللغة الأولى التي ستتشكل بها دهشته. نحن أبناء المصادفة الظاهرة والقدر العميق؛ نحمل على أكتافنا تاريخًا لم نصنعه، ونستيقظ في جغرافيا لم نرسم حدودها. يولد الإنسان في زمان بعينه، ومكان بعينه، وبيئة قد تكون رحيمة أو قاسية، غنية أو معدمة، آمنة أو مضطربة، وكل ذلك يحدث دون أن يكون لنا فيه رأي أو مشورة. إنها لحظة العبور الأولى من العدم إلى الوجود، لحظة تتجلى فيها سيادة القدر، وتتراجع فيها إرادة البشر إلى الصفر.
ثم نمضي في دروب الحياة نتصالح تارةً مع هذا الواقع، ونتصارع معه طورًا. نحاول أن نفهم لماذا جئنا هنا، ولماذا جئنا على هذه الصورة تحديدًا. غير أن الأسئلة الكبرى لا تمنح أجوبتها بسهولة، فتظل الولادة لغزًا، كما يظل الموت لغزًا أكبر. فكما لم نختر البداية، لن نختار النهاية. لا نعرف متى تنطفئ شمعتنا، ولا بأي طريقة تصعد أرواحنا إلى بارئها. الموت يجيء بلا استئذان، يعبر الحواجز كلها، ويهزم الحسابات والتوقعات. قد يطرق باب طفل في ربيعه الأول، أو شيخ في خريف العمر، وقد يأتي همسًا في نوم هادئ، أو صاعقة في لحظة صاخبة. وحده يعلم سر التوقيت ومنتهى الرحلة.
بين هذين الحدّين، الولادة والوفاة، يمتد ما نسميه الحياة. مساحة زمنية قصيرة أو طويلة، لكنها على الدوام محدودة. وهنا، في هذا المدى الضيق، يُمنح الإنسان أعظم امتياز: حرية الاختيار. قد لا نختار من أين بدأنا، ولا إلى أين ننتهي، لكننا نختار كيف نسير في الطريق. نختار القيم التي نحملها، والمبادئ التي ندافع عنها، والمعنى الذي نمنحه لأيامنا. نختار أن نعيش بكرامة أو أن نرضى بالذل، أن نكون أحرارًا أو أسرى، أن نقف منتصبي القامة أو منحنين تحت أقدام الآخرين.
الحياة الكريمة ليست ترفًا ولا شعارًا، بل موقف وجوديّ عميق. أن تعيش بكرامة يعني أن تحترم ذاتك قبل أن تطالب الآخرين باحترامك، وأن تحفظ إنسانيتك وسط عالم يميل إلى القسوة، وأن تقول “لا” حين يكون الصمت خيانة للروح. أما العزة فهي تلك النار الخفية التي تمنعك من التنازل عن جوهرك، حتى في أحلك الظروف، والشرف هو أن تظل وفيًّا لقيمك ولو كلّفك ذلك الكثير.
وفي المقابل، ثمّة من يختار حياة التزلف والانكسار، حياة العيش في ظلال الآخرين، حيث يذوب الفرد في مصالح غيره، ويقايض كرامته بمنافع عابرة، ويستبدل حريته بأمان زائف. هؤلاء لا تفرض عليهم هذه الحياة قسرًا دائمًا، بل كثيرًا ما يختارونها هربًا من المواجهة، وخوفًا من الخسارة، وتعبًا من حمل المسؤولية. غير أن الثمن يكون فادحًا: ضياع المعنى، وتآكل الذات، وتحول الإنسان إلى ظلّ باهت في مسرح الوجود.
ما بين ولادة لا نملكها، ووفاة نجهلها، تتجلى حقيقة الإنسان. لسنا ما وُلدنا به، ولا ما سنموت عليه، بل ما نصنعه في الطريق. نحن حكاية خياراتنا، وأثر أفعالنا، وصدى مواقفنا في قلوب من عبروا معنا هذا الدرب. ولعل أعظم انتصار يحققه المرء، أن يصل إلى نهايته وهو مطمئن أنه عاش كما يليق بإنسانيته: حرًا، كريمًا، شريفًا، تاركًا خلفه أثرًا يشبه الضوء، لا ينطفئ بانطفاء الجسد، بل يبقى شاهدًا على أن الحياة، رغم قصرها، تستحق أن تُعاش بملء القلب والوعي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
