محمد علي اللوزي
”لا يبدو فعل الإحراق في مكة المكرمة مجرد رماد تذروه الرياح، بل هو إعلان عن ‘ساعة صفر’ فكرية، تهدف إلى بتر السياق الزمني للعقل الإسلامي. إن استهداف المذهب الزيدي، بوصفه معقلاً للاجتهاد، وهدم الشواهد التاريخية، ليس إلا محاولة لإفراغ الفضاء العام من ‘التعدد’ الذي هو جوهر الحضارة، واستبداله بـ ‘وحدة قسرية’ تُمهد الطريق لتغريب الدين عن روحه الأخلاقية. وإذا.. هذا النص ليس رصداً لواقعة تاريخية فحسب، بل هو تشريح لعملية اغتيال الذاكرة الجمعية التي أدت، بضرورة المنطق، إلى تشظي الهوية وظهور العدميات الحديثة
وإذا كان لا بد من طرح سؤال كاشف، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: ماذا يعني أن تُحرِق الوهابية مكتبةً عربيةً في مكة المكرمة، قيل إنها ضمّت بين دفّتيها ما يقارب ستين ألف كتاب من أندر ما أُنتج في الحضارة الإسلامية، وأربعين ألف مخطوطة، بعضها – بحسب الروايات – يعود إلى العصور الإسلامية الأولى، وبعضها كُتب أو أُملي في زمن التأسيس؟ إن السؤال هنا لا يتصل بصحة الأرقام من عدمها بقدر ما يتصل بدلالة الفعل ذاته؛ فإحراق مكتبة في أقدس بقاع الإسلام لا يمكن فهمه بوصفه خطأً عارضًا أو سلوكًا انفعاليًا، بل بوصفه فعلًا رمزيًا بالغ الخطورة، يستهدف الذاكرة، ويصيب المرجعية، ويعلن القطيعة مع التاريخ.
فالمكتبة، في الوعي الحضاري، ليست مجرد رفوف كتب، بل هي تجسيد حيّ للعقل الإسلامي في حركته عبر الزمن، وسجلّ للاجتهاد، والخلاف، والتراكم المعرفي. وحين تُحرق المكتبة، فإن الذي يُستهدف ليس الورق والحبر، بل سلطة المعرفةة النص التاريخي في مواجهة القراءة الأحادية، وحق الأمة في أن ترى نفسها في مرآة تاريخها لا في خطاب مُفروض عليها. ومن هنا يصبح إحراق المكتبة فعلًا متسقًا تمامًا مع هدم المعالم، ومحاصرة المخطوطات، وتجريم المذاهب الاجتهادية، وفي مقدمتها المذهب الزيدي، لا حدثًا منفصلًا عنها.
إن هذا العداء التاريخي للمرجعية الإسلامية المتنوعة، وللتاريخ بوصفه شاهدًا، وللمذاهب التي تعمل العقل وتفتح باب الاجتهاد، لم يكن وليد سوء فهم عابر، ولا نتاج غيرة دينية صادقة كما يُروَّج، بل جاء ضمن مشروع منهجي لطمس الهوية الإسلامية الجامعة، واستبدالها بهوية مصطنعة، منزوعة الذاكرة، معادية للاختلاف، قائمة على ثنائية الإيمان والضلال. فالمذهب الزيدي، بما يحمله من مركزية العقل، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوصفه مسؤولية أخلاقية في مواجهة الظلم، وبما يمثّله من انفتاح اجتهادي، شكّل خطرًا حقيقيًا على بنية التفكير الوهابي؛ لأنه يفضح جمودها، ويكسر احتكارها للنص، ويعيد الدين إلى فضائه الأخلاقي–العقلي، لا إلى قوالبه المغلقة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تُحاصَر الزيدية، لا بالحجة العلمية، بل بالتشويه والاتهام، مرة بوصفها مذهبًا جامدًا، ومرة بوصفها خارجة عن الجماعة، في تناقض يكشف أن المسألة لم تكن توصيفًا فقهيًا، بل إقصاءً سياسيًا–فكريًا. وقد أدّى هذا الإقصاء إلى خلق صراع إسلامي–إسلامي مصطنع، جرى فيه تمزيق النسيج الديني، وتقسيم المجتمع إلى هويات متصارعة: سني في مقابل زيدي، وشيعي في مقابل قرآني، بدل الإبقاء على الإسلام بوصفه إطارًا جامعًا لاختلاف مشروع.
وفي هذا السياق الأوسع، لا يمكن تجاهل البعد الدولي الذي أحاط بنشأة الوهابية وانتشارها. فعدد من الباحثين أشاروا إلى تقاطعات واضحة بين المشروع الوهابي المبكر وبين مصالح قوى استعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا، التي كانت تدرك أن الإسلام العقلاني المنفتح، القائم على الاجتهاد والتعدد، هو أخطر ما يواجه مشاريع الهيمنة. ومن ثمّ فإن دعم تيار ديني يعادي العقل، ويمزّق الداخل الإسلامي، ويحوّل الخلافات الفقهية إلى صراعات وجودية، كان يخدم – موضوعيًا على الأقل – تفكيك العالم الإسلامي من الداخل، دون الحاجة إلى مواجهة حضارية مباشرة.
ومن هنا، يصبح الخط المستقيم الذي يصل بين إحراق المكتبة، ومحاربة الزيدية، وهدم المعالم، ثم صعود القاعدة وداعش، خطًا مفهومًا لا يحتاج إلى كثير عناء في التحليل. فهذه التنظيمات لم تنشأ في فراغ، بل وُلدت في بيئة أُفرغ فيها الدين من بعده الحضاري، وجُرّد من ذاكرته، وقُسّم أتباعه إلى فرق متناحرة، وصُوِّر فيها الاختلاف بوصفه خيانة، والعقل بوصفه بدعة. والفرق بين الوهابية التقليدية وهذه التنظيمات المتطرفة ليس في الفكرة المؤسسة، بل في مآلاتها القصوى، حيث تحوّل الإقصاء الفكري إلى عنف دموي، والهدم الرمزي إلى تدمير شامل.
إن أخطر ما في المشروع الوهابي أنه لم يكتفِ بإنتاج قراءة متشددة للدين، بل نجح في إعادة تشكيل وعي ديني مأزوم، يرى في التاريخ عبئًا، وفي المذهب الآخر تهديدًا، وفي العقل خطرًا، وفي الذاكرة عائقًا أمام «التوحيد».
وبهذا المعنى، فإن إحراق مكتبة، أو محاصرة مذهب، أو تشويه تراث، ليست سوى حلقات في سلسلة واحدة، هدفها النهائي تفريغ الإسلام من روحه الجامعة، وتحويله من حضارة متعددة الأصوات إلى خطاب واحد صلد، يسهل توظيفه في الصراع، داخليًا وخارجيًا.
إن استعادة الهوية الإسلامية اليوم لا يمكن أن تتم إلا عبر تفكيك هذا الإرث من الجمود والصراع المصطنع، وإعادة الاعتبار للمذاهب الاجتهادية العقلانية كالمذهب الزيدي، وللتاريخ بوصفه ذاكرة لا بد من صونها، وللتعدد بوصفه شرطًا من شروط بقاء الإسلام حيًا وفاعلًا في الزمن. فالإسلام الذي بنى حضارة لم يفعل ذلك بالحرق والهدم، بل بالقراءة، والعقل، والاجتهاد، والاختلاف الخلاق. وكل مشروع يعادي هذه القيم، مهما لبس من لباس الدين، إنما يعمل – في جوهره – على طمس الهوية الإسلامية لا حمايتها.:
لم يكن الصراع الذي فجّرته الوهابية في الجسد الإسلامي صراعًا فقهيًا طبيعيًا، ولا اختلافًا مشروعًا في طرائق الفهم والاجتهاد، بل كان – في جوهره – مشروعًا لإعادة تعريف الإسلام تعريفًا أحاديًا، يختزل الدين في قراءة جامدة للنص، ويصادر التاريخ، ويعادي العقل، ويحوّل التنوّع المذهبي من ثراء حضاري إلى تهمة عقدية. ومن هنا لا يمكن فصل هدم المعالم، وإحراق الكتب، ومحاربة المذاهب التاريخية، وفي مقدمتها المذهب الزيدي، عن السياق نفسه الذي أنتج خطاب التكفير، وشرعن الصراع الإسلامي–الإسلامي، ومهّد لاحقًا لظواهر أكثر تطرفًا كـالقاعدة وداعش.
لقد شكّل المذهب الزيدي، تاريخيًا، أحد أكثر المذاهب الإسلامية عقلانية وحيوية، إذ قام على إعمال العقل، وربط النص بالواقع، وفتح باب الاجتهاد، واعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا لا ينفصل عن العدل ومقاومة الاستبداد. فالزيدية لم تكن مذهب جمود، بل مذهب حركة ومسؤولية، يرى أن العالم ليس ناقلًا أعمى، بل مجتهدًا فاعلًا، وأن الدين لا يُختزل في ظاهر النص، بل يُفهم في سياق المقاصد والواقع والتاريخ. وهذه الخصائص بالذات هي ما جعلت الزيدية هدفًا مباشرًا للوهابية، لا لكونها «خارجة عن الجماعة» كما زُعم، بل لأنها تمثّل نقيضًا جذريًا للعقلية الوهابية القائمة على إغلاق باب الاجتهاد عمليًا، وشيطنة العقل، وتجريم الاختلاف.
إن محاربة الوهابية للمذهب الزيدي لم تكن دفاعًا عن وحدة الأمة، بل كانت في حقيقتها تفكيكًا لها؛ إذ جرى تصوير الزيدية تارة بوصفها مذهبًا جامدًا، وتارة أخرى بوصفها مذهبًا شيعيًا خارجًا عن «السنة»، في تناقض يكشف أن الهدف لم يكن توصيفًا علميًا، بل خلق عدو داخلي دائم. وبهذا الخطاب أُعيد إنتاج الإسلام بوصفه معسكرات متقابلة: سني في مقابل زيدي، وشيعي في مقابل قرآني، لا بوصفه فضاءً جامعًا للاختلاف المشروع. لقد كان هذا التقسيم خطوة مركزية في طمس الهوية الإسلامية الجامعة، تلك الهوية التي تشكّلت تاريخيًا عبر تعدد المذاهب والمدارس، لا عبر إلغائها.
وفي السياق نفسه، جاءت ممارسات هدم المعالم التاريخية وإتلاف المخطوطات ومحاصرة كتب التراث، باعتبارها الوجه العملي لعداء الوهابية للذاكرة الإسلامية. فالمكان الذي لا ذاكرة له، والنص الذي لا تاريخ له، والعقل الذي لا اجتهاد له، هي شروط ضرورية لإنتاج تدين منغلق يسهل توجيهه وتعبئته. وحين يُجرَّد الإسلام من بعده الحضاري، ويُختزل في شعارات صارمة، يتحول من دين رسالة إلى أيديولوجيا صراع، ومن منظومة أخلاقية إلى أداة إقصاء.
من هنا، لا يبدو صعود تنظيمات مثل القاعدة وداعش طارئًا أو معزولًا، بل هو امتداد منطقي لخطاب وُضع أساسه في إقصاء الآخر الإسلامي، وتجريم العقل، وتكفير التاريخ. فهذه التنظيمات لم تأتِ من فراغ، بل خرجت من رحم ثقافة تعتبر الاختلاف تهديدًا، والتراث بدعة، والمذهب الآخر ضلالة. والفرق بينها وبين الوهابية التقليدية ليس في الجوهر، بل في الدرجة والوسيلة؛ إذ انتقلت الفكرة من الهدم الرمزي إلى العنف الدموي، ومن الإقصاء الفقهي إلى الإبادة الجسدية.
لقد أدّى هذا المسار إلى تمزيق وحدة الصف الإسلامي، لا عبر مواجهة عدو خارجي، بل عبر استنزاف الداخل، وتحويل الخلافات المذهبية إلى حروب هوية، وتشويه الإسلام في وعي أبنائه قبل خصومه. وبدل أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما في الرؤية الزيدية – فعلًا إصلاحيًا يواجه الظلم والانحراف، جرى تفريغه من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أداة ضبط وقمع، تخدم الجمود لا التجديد، والطاعة العمياء لا المسؤولية.
إن الخطر الحقيقي الذي مثّلته الوهابية لا يكمن فقط في هدم حجر أو إحراق كتاب، بل في تفكيك البنية العقلية والروحية للإسلام، عبر معاداة الاجتهاد، وتجريم العقل، وصناعة صراع إسلامي–إسلامي دائم. وهو ما يجعل استعادة الهوية الإسلامية اليوم مرهونة بإعادة الاعتبار للتعدد المذهبي، وللمذاهب العقلانية كالمذهب الزيدي، وللفهم الذي يرى في الاختلاف سنة حضارية، لا لعنة عقدية، وفي التاريخ ذاكرة يجب صونها، لا عبئًا يجب محوه.
فالإسلام الذي صمد قرونًا، وبنى حضارة، وأنتج علمًا وفكرًا، لم يفعل ذلك بالجمود ولا بالإقصاء، بل بالاجتهاد، والتنوع، والعمل بالعقل. وأي مشروع يعادي هذه الأسس، مهما رفع من شعارات التوحيد، إنما يسهم – بوعي أو بدونه – في طمس الهوية الإسلامية، لا حمايتها.
وفي هذا السياق الأوسع، لا يمكن تجاهل البعد الدولي الذي أحاط بنشأة الوهابية وانتشارها. فعدد من الباحثين أشاروا إلى تقاطعات واضحة بين المشروع الوهابي المبكر وبين مصالح قوى استعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا، التي كانت تدرك أن الإسلام العقلاني المنفتح، القائم على الاجتهاد والتعدد، هو أخطر ما يواجه مشاريع الهيمنة. ومن ثمّ فإن دعم تيار ديني يعادي العقل، ويمزّق الداخل الإسلامي، ويحوّل الخلافات الفقهية إلى صراعات وجودية، كان يخدم – موضوعيًا على الأقل – تفكيك العالم الإسلامي من الداخل، دون الحاجة إلى مواجهة حضارية مباشرة.
ومن هنا، يصبح الخط المستقيم الذي يصل بين إحراق المكتبة، ومحاربة الزيدية، وهدم المعالم، ثم صعود القاعدة وداعش، خطًا مفهومًا لا يحتاج إلى كثير عناء في التحليل. فهذه التنظيمات لم تنشأ في فراغ، بل وُلدت في بيئة أُفرغ فيها الدين من بعده الحضاري، وجُرّد من ذاكرته، وقُسّم أتباعه إلى فرق متناحرة، وصُوِّر فيها الاختلاف بوصفه خيانة، والعقل بوصفه بدعة. والفرق بين الوهابية التقليدية وهذه التنظيمات المتطرفة ليس في الفكرة المؤسسة، بل في مآلاتها القصوى، حيث تحوّل الإقصاء الفكري إلى عنف دموي، والهدم الرمزي إلى تدمير شامل.
إن أخطر ما في المشروع الوهابي أنه لم يكتفِ بإنتاج قراءة متشددة للدين، بل نجح في إعادة تشكيل وعي ديني مأزوم، يرى في التاريخ عبئًا، وفي المذهب الآخر تهديدًا، وفي العقل خطرًا، وفي الذاكرة عائقًا أمام «التوحيد». وبهذا المعنى، فإن إحراق مكتبة، أو محاصرة مذهب، أو تشويه تراث، ليست سوى حلقات في سلسلة واحدة، هدفها النهائي تفريغ الإسلام من روحه الجامعة، وتحويله من حضارة متعددة الأصوات إلى خطاب واحد صلد، يسهل توظيفه في الصراع، داخليًا وخارجيًا.
إن استعادة الهوية الإسلامية اليوم لا يمكن أن تتم إلا عبر تفكيك هذا الإرث من الجمود والصراع المصطنع، وإعادة الاعتبار للمذاهب الاجتهادية العقلانية كالمذهب الزيدي، وللتاريخ بوصفه ذاكرة لا بد من صونها، وللتعدد بوصفه شرطًا من شروط بقاء الإسلام حيًا وفاعلًا في الزمن. فالإسلام الذي بنى حضارة لم يفعل ذلك بالحرق والهدم، بل بالقراءة، والعقل، والاجتهاد، والاختلاف الخلاق. وكل مشروع يعادي هذه القيم، مهما لبس من لباس الدين، إنما يعمل – في جوهره – على طمس الهوية الإسلامية لا حمايتها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
