مهنا: “التضامن الحقيقي يبدأ من احترام الناس، وبيوتهم، وخياراتهم، وخصوصياتهم، وألمهم، ومن الاعتراف بأن العمل الإنساني ليس تفضّلاً على أحد، بل شراكة مع المجتمع وتنمية معه، لا باسمه”
إعداد وتنسيق مدير التحرير المسؤول:
محمد خليل السباعي
نظّم مسرح المدينة في مقرها في الحمراء- بيروت ،محاضرة فكرية بعنوان: “الكرامة بوصفها فعلاً جماعياً: دور مؤسسة عامل الدولية في بناء الإنسان وصون الحرية”،. تحدث فيها رئيس مؤسسة “عامل الدولية” و”المنسّق العام لتجمّع الهيئات التطوعية” في لبنان، الدكتور كامل مهنا،بحضور حشد من الشخصيات الفكرية والثقافية والاجتماعية والدبلوماسية، إلى جانب عدد من العاملين والمتطوّعين في مؤسسة عامل من مختلف المناطق اللبنانية، في أطار مناسبة حوارية ونقاشية لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها مؤسسة عامل الدولية ، وللتأكيد على دور الثقافة، والعمل المدني، والشراكة المجتمعية في مواجهة التحديات المتفاقمة التي يمرّ بها لبنان، وفي الدفاع عن الحق في الحياة، والحرية، والكرامة الإنسانية.(يذكر بإن مؤسسة “عامل الدولية” تأسست في لبنان عام 1979، في خضمّ الأزمات والحروب، كمبادرة إنسانية وطنية غير طائفية، تُعنى بتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والتنموية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية).
بداية الافتتاح بالنشيد الوطني اللبناني وقوفًا ،ثم القت رئيسة جمعية “مسرح المدينة للثقافة والفنون”، نضال الأشقر، كلمة ترحيبية اكدت فيها: “عندما أسأل نفسي، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أعرف، أسأل كامل مهنا، وعندما أريد أن أستفهِم، أسأل كامل مهنا”.
وأضافت الأشقر: “أصف مهنا بأنه البوصلة التي لا تنحرف عن اتجاهها ومعتقداتها، والحقيقة التي لا تتجزّأ، والصديق الذي لا يساوم على مكانته، وأشير إلى تعدّد أدواره كطبيب وناشط جامع، ومنسّق ومدبّر وحكيم، وإلى مسيرته الطويلة في الدفاع عن الإنسان والكرامة.”
مهنا
ثم تحدث الدكتور مهنا فقال: “لابد من تقديم مقاربة فكرية وإنسانية شاملة لمفهوم الكرامة، بوصفها فعلاً جماعياً وممارسة يومية، لا مجرّد شعار، وأن بناء الإنسان يشكّل المدخل الأساسي لبناء الوطن، وأن العمل الإنساني الحقيقي يقوم على الشراكة مع المجتمعات المحلية، واحترام كرامة الإنسان، والعمل معه لا باسمه”.
وأضاف مهنا: “لا بد من التطرق إلى دور الحركات الاجتماعية والمؤسسات المدنية في الدفاع عن الحقوق الأساسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ المساواة، ونشدد على الترابط العضوي بين الكرامة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، وحماية البيئة.”
وأكّد مهنا: “أن السياسة، بمعناها الواسع، هي مسؤولية أخلاقية تجاه الناس، وأن التحدّي الحقيقي يكمن في تحويل المواقف والقيم إلى ممارسات ملموسة على الأرض.”
وأردف مهنا: “أتوجه بالشكر والتقدير إلى الأشقر، واصفها بأنها تجربة نضال طويلة أثبتت وتثبت أن الثقافة قادرة على حماية الحريات حين تتخلّى عنها السياسة، وأن الثقافة، حين تُمارَس بصدق، تصبح فعلاً سياسياً أخلاقياً، لا زينة ولا ترفاً”.
وتابع مهنا: “أن نكون صوتاً فاعلاً في المجتمع، هذا هو المدخل الحقيقي لكي نتمكّن يوماً ما، في هذا البلد وفي البلدان العربية، من جعل الإنسان هدفاً ووسيلة في كل أمر. لا أحد منّا اختار دينه، أو اسمه، أو جنسيته؛ هذه أمور ورثناها. أمّا ما يمكننا أن نقوم به معاً، فهو التحدّي الحقيقي في مجتمع لا يزال قائماً على العصبيّات. لا يمكن أن نتطوّر إذا اكتفينا بالشعارات”.
وأضاف مهنا: “خمسة عقود ونصف من العمل الوطني والإنساني علّمتنا أن السؤال الجوهري هو: كيف نتعاطى بعقلانية؟ العقلانية ليست شعاراً نرفعه، بل ممارسة يومية. لو تعاملنا بعقلانية، لكان لبنان نموذجاً بامتياز”.
وتابع مهنا: “أن كل شيء سياسي، ليس بمعنى التحزّب، بل بمعنى أن الإنسان كائن سياسي بطبيعته، حتى حين ينسحب أو يتهرّب أو يترك الواقع كما هو، مميّزاً بين سياسة جيّدة تنطلق من مصالح الناس وخدمتهم، وسياسة سيّئة تُنتج الانقسام وتستثمر في الخلاف.”
وأردف مهنا: “لابد من التحدّث عن تجربتي بعد الغزو الإسرائيلي في صيف عام ١٩٨٢، وتوسّع عملنا من المخيّمات الفلسطينية إلى مختلف المناطق اللبنانية، حيث تبلورت القناعة بأن العمل الإنساني ليس موسماً ولا شعاراً، بل التزام طويل، وأن لا قيمة للكلام إذا لم يرافقه فعل، ولا معنى للانتصارات الخطابية إذا كنّا نعيش الهزيمة في الواقع.”
وأوضح مهنا: “أن العمل الإنساني يبدأ من الميدان، ومن العيادة، ومن المستشفى، ومن المناطق الشعبية والمخيّمات الفلسطينية، وأن الثقة مع الناس تُبنى بالحضور والاستمرارية واحترام كرامتهم، لا بالخطابات”.
ولفت مهنا: “لابد من أنتقاد تجّار العمل الإنساني، الذين يتعاملون مع التضامن كسلعة، وأن التضامن الحقيقي يبدأ من احترام الناس، وبيوتهم، وخياراتهم، وخصوصياتهم، وألمهم، ومن الاعتراف بأن العمل الإنساني ليس تفضّلاً على أحد، بل شراكة مع المجتمع وتنمية معه، لا باسمه”.
وأضاف مهنا: “لا يمكن الحديث عن ديمقراطية من دون مساواة فعلية، ولا عن مشاركة من دون تمكين حقيقي للمرأة، ولا عن عدالة من دون معالجة التفاوت الحاد في توزيع الثروة، وأن حماية البيئة جزء لا يتجزّأ من العدالة الاجتماعية، لأن الإنسان لا يعيش خارج الطبيعة، ولا تكتمل العدالة إذا دُمّرت شروط الحياة نفسها”.
وختم مهنا: “نحن نحب الناس الذين نعمل معهم، ونبدأ من هذا الحب، ثم نبني الثقة، ثم نُنجز. هكذا يتحوّل التضامن المجتمعي من ردّة فعل عاطفية إلى ثقافة مواطنة، ومن مبادرة ظرفية إلى مشروع مستدام”.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
