فلبنان المستقر ليس عبئًا على الإقليم، بل صمّام أمان له

بقلم د. مريم  حسين شريف 

استقرار لبنان ليس ترفًا سياسيًا ولا ملفًا إنسانيًا ظرفيًا، بل مسألة مرتبطة مباشرة باستقرار المنطقة ككل فالدول لا تعيش في عزلة وما يحدث في دولة ذات موقع جغرافي ودور تاريخي مثل لبنان لا يبقى محصورًا داخل حدوده. الخطر الحقيقي ليس في دولة فاعلة بل في دولة معلّقة؛ ولبنان حين يبقى في هذا الفراغ يتحوّل تدريجيًا إلى مصدر استنزاف اقتصادي وأمني لمحيطه ، لأن الأزمات غير المعالجة لا تتوقّف عند الخطوط الجغرافية …
لبنان غير المستقر لا يشكّل خطرًا لأنه قوي بل لأنه ضعيف …ضعفه يراكم كلفة على الجوار : بشر يتحرّكون بلا أفق واضح، اقتصاد يتعطّل، وحدود تفقد معناها ، فيما تُملأ الفجوات بجهات تستثمر الفوضى لا الاستقرار وكما يرى أرسطو ، السياسة في جوهرها ليست إدارة سلطة ، بل تنظيم العيش المشترك بما يمنع الانفجار ومن هذا المنطلق يصبح ترك لبنان في حالة هشاشة مزمنة قبولًا ضمنيًا بتمدّد الاضطراب خارج إطاره …

ورغم صغر مساحته ، لا يمكن التعامل مع لبنان كدولة هامشية فهو مساحة تلاقٍ لا تَصادُمْ ، وعقدة توازن دقيقة في شرق أوسط شديد الحساسية وكما أشار مونتسكيو فإن الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي ، بل بدرجة تأثيرها في محيطها ، أي خلل طويل الأمد في لبنان ينعكس ضغطًا اقتصاديًا على دول الجوار ، ويحوّل أزمته الاجتماعية إلى موجات هجرة وعدم استقرار عابر للحدود ويخلق فراغات تتقدّم إليها قوى الفوضى حين تتراجع الدولة …

من هنا ، يصبح الاستثمار في لبنان خيارًا عقلانيًا لا عاطفيًا …فالفكر السياسي الحديث لا ينتظر الانهيار ليتدخّل ، بل يعمل على منع وقوعه أصلًا ، هوبز اعتبر أن الخوف هو ما يدفع البشر إلى بناء الدولة والخوف اليوم ليس من لبنان بل على لبنان ، لأن انهياره الكامل ينقل الأزمة من مستوى يمكن احتواؤه إلى واقع يصعب ضبطه ، دعم الاقتصاد المنتج ، إعادة الثقة بالمؤسسات وربط الاستقرار المالي بالاستقرار الاجتماعي ، كلها أدوات وقائية أقل كلفة بكثير من إدارة الانفجار بعد وقوعه ..

الاعتقاد بأن ترك لبنان وشأنه يشكّل موقفًا حياديًا هو قراءة قاصرة للسياسة ، فالحياد، كما يقول ماكس فيبر، هو بحد ذاته قرار وغالبًا ما يكون قرارًا مكلفًا ، الدول التي تستثمر في استقرار لبنان لا تتدخّل في شؤونه ، بل تحمي مصالحها بعقلانية سياسية واضحة ، فلبنان المستقر شريك اقتصادي ، عامل توازن ، ومساحة تواصل في منطقة تتغذّى تاريخيًا على الانقسام …

وفي النهاية ، لا يُفهم الاستقرار على أنه غياب الصراع فقط ، بل كإنتاج مستمر للشروط التي تمنع عودته …كانط رأى أن السلام الدائم لا يُبنى على النوايا الحسنة، بل على تأسيس ظروف تجعل الحرب خيارًا غير منطقي واستقرار لبنان ، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ، هو أحد هذه الشروط الأساسية ، دعم الاستثمار فيه ليس مجاملة ولا معالجة ظرفية لأزمة ، بل قراءة واقعية لمسارات الأمن والتنمية في المنطقة ، فلبنان المستقر ليس عبئًا على الإقليم ، بل صمّام أمان له ، والاستثمار فيه هو استثمار في توازن طويل الأمد…

 

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …