بقلم: فاطمة يوسف بصل
في زمن الصمت، حتى الألم أصبح مجرد صوت خامد.
القسوة اليوم لم تعد صراخًا، ولم تعد صفعة على الوجه. صارت أكثر وحشية، صارت تنزلق في الصمت، تتخفّى في الظلال، وتبتلع الأرواح بهدوء، بوجهٍ يُسمّى اللامبالاة.
هي القسوة التي لا تُرى، لكنها تسرق الدفء من القلب، وتترك فراغًا باردًا داخل الروح، كأن شيئًا منك مات دون أن تسمعه أو تشعر به.
اللامبالاة ليست غياب شعور، بل موتٌ متدرّج للأرواح. هي أن تراها الدمعة تتساقط، وتختار أن لا تلتفت. أن تسمع صرخة قلبٍ متعب، وتقرر أن تُصمّ أذنك. أن تشاهد الانكسار في عينين تبحثان عن عذر، فتبتسم ببرود، لأن قلبك أغلق أبوابه منذ زمن.
كل تجاهل، كل صمت، كل ابتعاد، يترك شظية في داخلك وفي داخل الآخر، شظية تُذيب الروح في صمتها البارد.
في هذا العالم، أصبح البشر متدربون على التجاهل. نبني جدرانًا شفافة حول قلوبنا، لا تراها إلا الأرواح التي تحاول الاقتراب. كل كلمة لم تُقُل، كل تعاطف لم يُمنح، تترك أثرًا عميقًا: نحن نغدو غرباء عن بعضنا، وغرباء عن أنفسنا. نصبح أقرب إلى الصمت منه إلى أي ابتسامة.
اللامبالاة تُفرغ العلاقات من روحها. تصير اللقاءات مجرد مرور أجساد، وتصبح المحادثات كلمات بلا دم، والابتسامات بلا حرارة. نعيش وسط الناس، ونموت في داخلنا وحدنا، ونتظاهر بالوجود بينما القلب يهوي في هاوية الفراغ.
لكن القسوة لا تقف عند هذا الحد. ما نزرعه تجاه الآخرين، يعود إلينا بطريقة أكثر وحشية. قلبنا الذي صمت، يزداد برودًا. أعيننا التي أغلقت، ترى الحياة تتساقط من حولنا بلا معنى. وأصواتنا، حتى حين نحاول الصراخ، تصير صدىً فارغًا، لأن العالم الذي اعتاد اللامبالاة لا يسمع.
الإنقاذ ممكن، لكنه يبدأ بخطوة صغيرة جدًا: كلمة صادقة، لمسة تهدئ روحًا متعبة، نظرة تُعيد للآخر شعورًا بالوجود. أن نختار أن نشعر حين يتوقف الجميع عن الشعور. أن نختار الرحمة حين يختفي التعاطف.
الإنسان لا يموت حين يُؤذى… بل حين يُتجاهل. واللامبالاة… هي القسوة الوحشية التي تجعل الإنسان يموت ببطء أمام أعين الجميع، بينما الجميع يتظاهر بأنه لا يرى، وكأن الفقد العميق أصبح روتينًا، والفراغ إنجازًا يوميًا.
في النهاية، القلوب التي لا تعرف الرحمة، لن تعرف الحياة أبدًا. والقلوب التي تختار الشعور رغم كل شيء، هي الوحيدة التي تستطيع أن تعيش، رغم القسوة، رغم الصمت، رغم الفراغ. ولعلّ في لحظةٍ واحدة من الرحمة، نستطيع أن نُعيد إحياء ما مات، ونُحيي الأمل في قلوبنا، ونُعيد الحياة إلى روحنا، ونُصبح قادرين على أن نشعر، ونُحس، ونعيش.
وإنّما القلوب حيّةٌ بذكر الله،
ولعلّ في ذكر الله، نجد الرحمة التي نبحث عنها، ونُعيد الحياة إلى قلوبنا.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
