د. ليون سيوفي يكتب: العالَم لا يُنقِذ إيران… بل يُدير اسْتِنزافَها

لنكن صريحين إلى حدّ القسوة: إذا اندلعت الحرب على إيران، فلن يهرع أحد لإنقاذها. لن تتدحرج الدبابات شرقًا، ولن تعبر الأساطيل دفاعًا عنها، ولن تُرفَع رايات “الحلفاء”. ما سيحدث، وما يُحضَّر له فعليًا، ليس حربًا كبرى، بل عملية اسْتِنزافٍ مُدارة، باردة، طويلة، ومحسوبة.

 

العالَم اليوم لا يعمل بمنطق الحَسم، بل بمنطق الإطالة. لا يريد الانفجار، لكنّه لا يخشى النزيف. يريد خصمًا مُنهكًا، لا خصمًا مهزومًا؛ واقفًا على قدميه، لكن مُقيَّد الإرادة، مُثقَل الكلفة، ومُحاصَر الخيارات. ولهذا، فإنّ أيّ مواجهة مع إيران — إن وقعت — ستُحافَظ عليها داخل سقفٍ إقليميّ وإيقاعٍ مضبوط، ليس حرصًا على الأرواح، بل حرصًا على توازنات المصالح.

 

التهديدات اليومية ليست مقدّمة لضربةٍ قاضية، بل أداة ضغطٍ مستمرّ. هي حرب أعصاب تُبقي الاقتصاد الإيراني تحت الشدّ، والمجتمع تحت القلق، والقرار تحت الاستنزاف. الهدف ليس إسقاط الدولة، بل إبقاؤها في وضع الدفاع الدائم، لأنّ الدفاع المستمرّ أكثر كلفة من الهجوم، وأكثر إنهاكًا من الهزيمة السريعة.

 

وهنا تكمن الحقيقة الأكثر إزعاجًا: رغم شبكة العلاقات الواسعة، ستُترَك إيران وحيدةً عسكريًا. ليس لأنّها بلا شركاء، بل لأنّ الشراكات في هذا النظام الدولي لا تُترجَم دمًا. الصين لن تُقاتل، لأنّها تُقاتل بالأسواق لا بالمدافع. روسيا لن تُغامر، لأنّها تُجيد إدارة أزمات الآخرين من الخلف. الهند وباكستان لن تتورّطا، لأنّ حساباتهما أثقل من شعارات الاصطفاف. الجميع سيُدلي بالمواقف، وسيُمرّر الصفقات، وسيُقدّم المعلومات، لكن لا أحد سيُرسِل أبناءه إلى الميدان.

 

سيُقال إنّ هناك دعمًا، وهذا صحيح. لكنّه دعمٌ بلا مخاطر: سياسيّ، اقتصاديّ، استخباريّ، دبلوماسيّ. دعم يسمح لإيران بالصمود، لا بالانتصار؛ بالبقاء، لا بكسر المعادلة. فالعالَم مستعدّ لتحمّل إيران مُتعبة، لا إيران منتصرة، ومستعدّ للتعايش مع أزمة طويلة، لا مع حسمٍ غير قابل للضبط.

 

المستفيدون كُثُر، وهذه ليست نظرية مؤامرة بل حساب مصالح. قوى دولية ترى في إنهاك إيران فرصة لإعادة توزيع النفوذ من دون حرب مباشرة. شركات سلاح ترى في التوتّر سوقًا مفتوحة. أسواق طاقة تُدار بالقلق قبل الإنتاج. وخصوم إقليميون يفضّلون رؤية خصمهم ينزف ببطء على أن يُهزَم دفعة واحدة ويُنتِج فراغًا غير محسوب. لا أحد يريد إنقاذ إيران، ولا أحد يريد تدمير العالم؛ لذلك يُختار الطريق الأطول والأكثر إيلامًا.

 

القتال، إذا بدأ، لن يكون اجتياحًا ولا حرب جيوش، بل سلسلة ضربات ورسائل وردود غير مباشرة، متدرّجة، ومضبوطة الإيقاع. حرب تُدار تحت السقف لأنّ كسره يعني فقدان السيطرة. كلّ شيء سيكون محسوبًا: التوقيت، الشدّة، الرسالة… باستثناء الأثر التراكمي الذي لا يظهر إلّا عندما يصبح الرجوع مكلفًا.

 

وفي هذه اللوحة القاتمة، تظهر الدول الهشّة بوصفها الخاسر الصامت. لبنان نموذجًا. ليس لاعبًا في القرار، لكنّه قريب من الشظايا بما يكفي ليدفع الثمن. الخطر عليه لا يأتي من حربٍ عالميّة لن تقع، بل من حَربِ اسْتِنزافٍ إقليميّة تُدار على أعصابه، ومن خطأ حساب أو رسالة زائدة قد تُحوِّله فجأة من هامشٍ إلى ساحة.

 

هذه هي الحقيقة العارية: إيران قد تُحارَب، لكنّها لن تُنقَذ. العالَم قد يُدين، لكنّه لن يُقاتل. والدعم قد يتدفّق، لكنّه لن يحمل دمًا. نحن أمام نظامٍ دوليّ يُتقن فَنَّ الاسْتِنزاف، يَخشَى الحَسم، ويترك من يقفون على خطوط التماس يدفعون الفاتورة كاملة… وبصمت

شاهد أيضاً

يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء

طوفان الجنيد. كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر …