ندوة وتوقيع لكتاب ” قال الهدهد ” لسلطان ناصر الدين بدعوة من “ثانوية السفير ودار البنان”: حين يصبح للطير حدسٌ وللكلمة جناحان

فقيه:”هدهد ناصر الدين حضر بنور الحكمة، وطوّب الأقوياء بالحقّ لأنّهم ماء الأرض. أحبّتي ما مات حرف أصله ثابت وفرعه في السّماء، ما مات حرف عينه على الوطن والإنسان”

مهنّا:” سلسلة “قال الهدهد” تقدم مشروعًا أدبيًّا وفكريًّا متكاملًا، يتجاوز حدودَ القصةِ الرمزية القصيرة ليغدو خطابًا نقديًّا ذا أبعادٍ فلسفيةٍ واجتماعيةٍ وسياسية

الشّامي: “ناصرالدين حول مفرداته إلى سلاح احتجاجي ، فيكتب بروحٍ متماهية مع نبض الجماهير التي خرجت إلى الساحات بدءًا من العام 2019 ، مستلهمًا شعاراتهم التي طالبت بالكرامة والعدالة وإنهاء الاحتكار والفساد، لتصبح الكلمة فعلاً يوازي الهتاف في وجه الظلم”

حمّود:”ناصر الدين يحلّق فوق خارطة البلاد، وفوق خارطة الإنسان: في تركيبه الاجتماعي، وفي طبقاته النفسية، وفي نبض الأرض والهواء والماء. مرّةً طبيبٌ يقرأ الجسد ككتابٍ مفتوح، ومرّةً ثائرٌ يوقظ المعنى حين ينام، ومرّةً شيخٌ حكيم يوزّع على العابرين خبز البصيرة، ومرّةً فتًى مشرق يمشي بخفّة البرق فوق جراح الزمن”

ناصر الدين:” باسمي واسمك يا صديقي الهدهد نحيّي كل من آمن أنّ قيمة المعرفة ليست في تكدّسها في الكتب ، بل في التّحوّل الّذي يحدث فينا بعد القراءة”

إعداد وتنسيق مدير التحرير المسؤول:
محمد خليل السباعي

نظمت “ثانويّة السّفير” و”دار البنان” ندوة حول كتاب “قال الهدهد” للأديب الدكتور سلطان ناصر الدين، تضمنت قراءات أدبية وفلسفية ونقدية للكتاب، وشارك فيها الدكتور داوود مهنا، والدكتور عبد الحليم حمود والباحث محمد الشامي، والكاتب ناصر الدين، وتلاها حفل توقيع للكتاب، وهو سلسلة حواريّة يقارب فيها الكاتب قضايا إنسانية ووجودية بلسان الهدهد “كشاهد وناقد وكاشف وحكيم، يخيف من يخاف الحقيقة ويُطَمئِن من يعشقها ويحبّ الخير، فيدرك أن للطير حدسًا وللكلمة جناحين” .

حضر الندوة التي أقيمت في قاعة الاحتفالات في مبنى الثانوية في بلدة الغازية، نخبة من الشخصيات الثقافية والفكرية والتربوية والإعلامية، وأسرة “دار البنان” والهيئتان الإداريّة والتعليمية في ثانوية ” السفير” وجمع من الطلاب.

فقيه
بداية الافتتاح بالنشيد الوطني اللّبنانيّ وقوفًا، ثم القت الدكتورة رقيّة فقيه، كلمة تقديمية أكدت فيها: ” من حرف يرفض العبثيّة في الوطن، يتمرّد على من يسرق أحلام الأطفال، يثور لكلّ من ينهى عن الباطل لأنّ الباطل لا يدوم، من حرف يمجّد الأحرار في بحثهم عن الحقّ. حين سكت العالم بأسره، نطلق كتاب” قال الهدهد”. وإن كان هدهد سليمان من الغائبين فهدهد سلطان ناصر الدين حضر بنور الحكمة، وطوّب الأقوياء بالحقّ لأنّهم ماء الأرض. أحبّتي ما مات حرف أصله ثابت وفرعه في السّماء، ما مات حرف عينه على الوطن والإنسان”.

مهنّا
ثم قدم الدّكتور مهنا مداخلة نقدية في سلسلة “قال الهدهد” اعتبر فيها :”أن سلسلة “قال الهدهد” تقدم مشروعًا أدبيًّا وفكريًّا متكاملًا، يتجاوز حدودَ القصةِ الرمزية القصيرة ليغدو خطابًا نقديًّا ذا أبعادٍ فلسفيةٍ واجتماعيةٍ وسياسية، بنصوص تنخرطُ في مساءلةٍ عميقة لبِنية السلطة، ومعنى العدالة، ومصادر القوة والنجاح، عبر توظيف رمز “الهدهد” بوصفه صوتَ الحكمة والضمير، المُستَلهمَ من الموروث الديني والثقافي”.
وأضاف مهنا: “هذه النصوص تتأسس على رؤيةٍ موحّدة قوامُها التمييزُ بين قيم الحياة وقوى الموت، وبين ما يبني الإنسانَ والمجتمعَ وما يهدمهما، وأن هذا المحور يتجلى عبر ثلاث دوائر مترابطة: نقد الفساد والظلم بوصفهما منظومة، العدالة والحكمة أساس البناء، والصحوة والمسؤولية الجماعية”.
ورأى مهنا: “من أبرز نقاط القوة في هذه السلسلة اعتمادها المكثّف على الرمزية الطبيعية، حيث تتحول عناصر البيئة إلى أدوات فكرية: الماء رمز للسؤال والمعرفة، الشجرة رمز للأصالة والتربية، الزهرة رمز للعطاء والفرح، الزعتر والتبغ رمزان لخياري الحياة والموت في السياسات العامة ، ما يمنح الأفكار المجردة بعدًا حسيًّا وإنسانيًّا، ويجعل الخطاب النقدي أقرب إلى المتلقي وأكثر رسوخًا في الذاكرة”.
وتابع مهنا: “أن لغة سلطان ناصر الدين تتسم بسمات أسلوبية واضحة تشكّل أحد أعمدة قوة النصوص: التكثيف والإيجاز، البنية الحوارية، الاستفهام البلاغي، وشخصية الهدهد التي تقوم بدور الضمير الجمعي، وتمنح النص مسافة رمزية تحرّره من المباشرة والخطابة”.
وأردف مهنا: “أن سلسلة “قال الهدهد” تشكّل عملًا أدبيًّا نقديًّا متماسكًا، ينجح في الجمع بين الرمز والحكمة والنقد الاجتماعي. تكمن قوتها الأساسية في قدرتها على تحويل الحكاية القصيرة إلى أداة تفكير عميق، وعلى مساءلة الواقع من دون الوقوع في التقريرية”.
وختم مهنا: “إنها كتابةٌ تُراكم معناها عبر الإيحاء والتقابل، وتضع القارئ أمام نص يطالبه – على نحو نقدي – بأن يكون شريكًا في السؤال”.

الشامي
ثم تحدث الباحث الشّامي فقال: “لابد من تناول الكتاب من بابي الفلسفة وعلم النفس، وأن الكاتب يفاجئ القارئ بالخروج عن أسلوبه المعتاد الذي يتسم بالهدوء واللطف والسلاسة ولغة التوازن والاعتدال، ليكتب بحدة تكشف عن مظلومية يشعر بها (بعد أن عصفت بالبلاد أحداث اقتصادية قاسية وتدهور قيمة العملة وخسارة الناس لودائعها في المصارف)، وهنا، تتحول مفرداته إلى سلاح احتجاجي ، فيكتب بروحٍ متماهية مع نبض الجماهير التي خرجت إلى الساحات بدءًا من العام 2019 ، مستلهمًا شعاراتهم التي طالبت بالكرامة والعدالة وإنهاء الاحتكار والفساد، لتصبح الكلمة فعلاً يوازي الهتاف في وجه الظلم.
وعن توق الكاتب لتبني فكرة، أوضح الشامي: “أن أشدّ الأمراض الفكرية فتكًا هو الصنمية الفكرية” ،وأن الصنمية الفكرية تشير إلى حالة تقديس الأفكار أو النظريات بحيث تتحول إلى عقائد جامدة لا تقبل المراجعة أو النقاش. وفلسفيًّا، هي نقيض الروح النقدية. أما نفسيًّا، فهي تعبير عن حاجة الإنسان إلى اليقين والثبات في مواجهة قلق الوجود.
ورأى الشامي: “أن كتاب “قال الهدهد” يكشف عن تجربة فكرية ونفسية تتجاوز حدود الأدب لتلامس عمق الفلسفة وعلم النفس، لتصبح الكتابة فعل مقاومة وأداة تفريغ وانعتاق ومساحة يلتقي فيها الغضب بالمعرفة، والرفض بالأمل”.
واضاف الشامي: “هي دعوة للتفكير النقدي، ولمواجهة الذات قبل مواجهة الآخر، ولإعادة الاعتبار لقيمة الكلمة كأداة للوعي والتحرر. هو ليس مجرد نص أدبي، بل شهادة على زمنٍ مأزوم، ورسالة بأن الغضب حين يُصاغ بلغة واعية يمكن أن يتحول إلى طاقة خلاقة، تفتح أفقًا جديدًا للعدالة والحرية”.

حمود
ثم تحدث الدّكتور حمود فقال: “أن سلطان ناصر الدين التحف إيهاب ذلك الطائر (الهدهد)، واستعار من ومضته قدرة العبور بين لحظةٍ وأخرى، بين خفقة قلبٍ ومسافة وطن. فإذا بالدكتور سلطان ناصر الدين يحلّق فوق خارطة البلاد، وفوق خارطة الإنسان: في تركيبه الاجتماعي، وفي طبقاته النفسية، وفي نبض الأرض والهواء والماء. مرّةً طبيبٌ يقرأ الجسد ككتابٍ مفتوح، ومرّةً ثائرٌ يوقظ المعنى حين ينام، ومرّةً شيخٌ حكيم يوزّع على العابرين خبز البصيرة، ومرّةً فتًى مشرق يمشي بخفّة البرق فوق جراح الزمن”.
وأضاف حمود: “كانت له موهبةٌ نادرة: أن يمنح الأشياء حناجرها. أن يجعل الحجر يتكلّم، والريح تشرح، والشجرة تشهد، والنهر يروي شهادته كقاضٍ قديم. فتبدو الكلمات خارجة من جوف العالم نفسه، لا من فم رجلٍ واحد، كأن سلطانًا يستعير نَفَس زرادشت، أو صفاء ” مرداد”، أو نبرة النبوءة الشفيفة عند جبران خليل جبران ،والهدهد هنا يتقدّم بوصفه دليلًا، قائد رحلةٍ داخل الروح، شيخًا للطريق، ويدًا تشير إلى الملك المخبوء خلف الغياب. ثم ينكشف جوهره الأعمق:الهدهد صوتُ الضمير حين يستيقظ في أحلك اللحظات، وصوتُ ” الساكن في الداخل”، حين يوقّع الوجود على سرّه. إشارةٌ تنبعث من أعماق النفس، فتدلّ الإنسان على ذاته، كما لو أنّ داخل الكائن خريطةً سرّيةً تتكلّم أخيرًا”.

ناصر الدين
ثم ألقى الكاتب الدّكتور ناصر الدّين كلمة استهلها متوجّهًا لمن نشر (دار البنان)، ومن تكلّم ومن حضر ومن سيقرأ، بشكر وقال:”يليق بطائر لا يملك إلّا الصّوت ولا يطير إلّا ليشارككم الرّوية” .
وأكمل ناصر الدين كلمته بصيغة “حوار مع صاحبي الهدهد”، فقال: “حطّ الهدهد على نافذة غرفتي ؛ حيّاني؛ رددت التّحيّة بأحسن منها؛ سألته: “بم تشعر وأنت صاحبي في كتاب ” قال الهدهد؟” . أجاب : أشعر برضى لأنّي أدّيت رسالة جريئة. وحين جلست في كتاب لم أجلس خائفًا ، بل جلست كي أترك أثرًا على الورق ؛ فالورق هو الأرض الوحيدة الّتي لا تحارب الطّيور”. سألته : ” لماذا رضيت أن تجيء إلى هذا الكتاب؟”. أجاب :” جئت لأحرّض النّظر؛ فالّذي يرى لا يعود كما كان . ليس في كتابي دعوة إلى اليقين ، بل إلى الشّكّ الّذي ينقذنا من اليقين الخاطئ ، ولا فيه تعظيم للحقيقة ، فالحقيقة لا تحتاج من يعظّمها ، بل تحتاج من يحملها ويتحمّلها . قلت للهدهد : ” أنت حكيم . حدّثني عن الحكمة “. قال : ” الحكمة ليست معرفة . المعرفة تحويل ما نعرفه إلى ما نكونه . والحكمة تحويل ما نكوّنه إلى ما نصير عليه . ولا شيء أخطر من إنسان لا يعرف ولا يكون ولا يصير “.
وأضاف ناصر الدين: “ثمّ ابتسم الهدهد، وسألني:” بمَ تشعر وقد صدر كتابك ؟” . قلت :” أنا اليوم سعيد لأنّ النّصّ خرج من الورق إلى القراءة . الكتاب يُكتب بيد واحدة ، لكنّه لا يكتمل إلّا بألف عين تقرأه، وألف صوت يناقشه، وألف اختلاف يحرّره من الكاتب نفسه ” .
وختم ناصر الدين: “باسمي واسمك يا صديقي الهدهد نحيّي كل من آمن أنّ قيمة المعرفة ليست في تكدّسها في الكتب ، بل في التّحوّل الّذي يحدث فينا بعد القراءة” .

بعد ذلك كرّمت دار “البنان” ممثلة بكل من حسن عنيسي وغادة ناصر، المتحدثين مهنّا والشامي وحمود وفقيه والأديب ناصر الدّين الذي وقّع بعدها كتابه “قال الهدهد” للحضور المشارك.

شاهد أيضاً

يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء

طوفان الجنيد. كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر …