بقلم: عمرو صابح
تُعدّ انتفاضة 18 و19 يناير 1977 واحدةً من أكثر اللحظات حسمًا في التاريخ السياسي والاجتماعي المصري الحديث، لا فقط بسبب اتساعها الجغرافي وحدّتها الاجتماعية، بل لأنها مثّلت اختبارًا مباشرًا وصريحًا لشرعية نظام الرئيس أنور السادات، في لحظة انتقال جذري من سياسات العهد الناصري إلى سياسات الانفتاح الاقتصادي والارتهان الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.
وتكمن خطورة هذه الانتفاضة في أنها سبقت، بفاصلٍ زمنيٍّ قصير، التحولات الكبرى التي أعادت صياغة موقع مصر إقليميًا، وعلى رأسها زيارة السادات للقدس المحتلة في نوفمبر 1977، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978، ومعاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية في مارس 1979.
ومن ثم، فإن فشل هذه الانتفاضة لم يكن مجرد إخفاقٍ شعبيٍّ عابر، بل عاملًا حاسمًا أسهم في تسريع وتكريس الانقلابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع المصري، وفي تدعيم نظام السادات وضمان استمراره، رغم ما أصاب شرعيته من اهتزازٍ عميق.
في صباح يوم 17 يناير 1977، فوجئ الرأي العام المصري بعناوين الصحف الرئيسية تعلن قرار الحكومة رفع أسعار 25 سلعةً أساسية دفعةً واحدة، في مقدمتها الخبز والسكر والأرز والزيت والوقود والمواصلات.
جاء القرار تنفيذًا لتوصيات صندوق النقد الدولي، وفي إطار التحول من الاقتصاد الموجَّه إلى اقتصاد السوق، أو ما عُرف بسياسة الانفتاح الاقتصادي. وقد تعارض هذا القرار تعارضًا صارخًا مع الخطاب الرسمي للرئيس السادات، الذي روّج منذ منتصف السبعينيات لمرحلة جديدة من “الرخاء والرفاهية”، وقدّم نفسه بوصفه منقذ المصريين من “اشتراكية عبد الناصر التي أفقرتهم” إلى “رأسمالية أمريكا” التي — بحسب تعبيره الشهير — تمتلك 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط.
إلا أن الواقع الاجتماعي سرعان ما فضح الفجوة الهائلة بين الخطاب والممارسة، حيث تحمّلت الطبقات الوسطى والدنيا الكلفة الكاملة للتحول الاقتصادي، بينما جنت قلّةٌ محدودة أرباح الانفتاح عبر شبكات مصالح جديدة.
في صباح يوم 18 يناير 1977، اندلعت المظاهرات بشكلٍ مفاجئ في مدينة الإسكندرية، وخرج مئات الآلاف إلى الشوارع رفضًا لسياسات الحكومة الاقتصادية، مردّدين هتافات مباشرة ضد الرئيس السادات ونظامه.
وفي الوقت ذاته، ومن دون أي تنسيق تنظيمي مسبق، شهدت القاهرة مظاهرات مماثلة، شارك فيها مئات الآلاف، واتسمت بالعفوية والاتساع، بما يعكس عمق الغضب الشعبي وتراكم أسبابه.
وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مختلف محافظات الجمهورية، من الدلتا إلى الصعيد، وصولًا إلى أسوان، في مشهدٍ نادر يُجسّد شمولية الحراك واتساع قاعدته الاجتماعية.
تزامنت هذه التطورات مع وجود الرئيس السادات في استراحة الخزان بمدينة أسوان، حيث كان يُجري حديثًا صحفيًا ويستعد لاستقبال الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو.
ومع تصاعد المظاهرات في المدينة، واقتراب المتظاهرين من قطع الطرق المؤدية إلى الاستراحة الرئاسية، سادت مخاوف حقيقية من احتمال اقتحامها، ما دفع الحرس الرئاسي إلى نقل الرئيس على وجه السرعة بطائرة هليكوبتر إلى القاهرة.
غير أن عودته لم تُنهِ الأزمة، إذ كانت العاصمة قد بلغت ذروة الغضب الشعبي، وفشلت قوات وزارة الداخلية في فرض السيطرة على الشارع أو تفريق المظاهرات.
تميّزت الانتفاضة بهتافات جمعت بين النقد الاجتماعي والرفض السياسي والاحتجاج الوطني، من بينها:
يا حاكمنا من عابدين فين الحق وفين الدين،
يا حاكمنا بالمباحث كل الشعب بظلمك حاسس،
الصهيوني فوق ترابي والمباحث على بابي،
هو بيلبس آخر موضة وإحنا بنسكن عشرة في أوضة،
هو بيبني في استراحات وإحنا نعاني من الآهات،
هما بياكلوا حمام وفراخ وإحنا الجوع دوّخنا وداخ.
مع تصاعد الأحداث وخروجها عن السيطرة، تلقّى الرئيس السادات اتصالًا من شاه إيران، الذي نصحه بمغادرة مصر فورًا هو وأسرته والتوجّه إلى إيران حتى تستقر الأوضاع.
وعندما علم الشاه من السادات بأن الطريق إلى مطار القاهرة غير مؤمَّن، قام الشاه بإجراء اتصالات مع الأمريكيين لإيجاد مخرج آمن. ثم عاد لاحقًا ليخبر السادات بوجود حاملة الطائرات الأمريكية “إنتربرايز” في البحر المتوسط قبالة السواحل المصرية، مقترحًا انتقاله إليها بطائرة هليكوبتر، ومنها إلى إيران، حيث المأوى الآمن له ولأسرته حتى تنجلي الأزمة.
في تلك اللحظة الحرجة، لجأ السادات إلى المؤسسة العسكرية، وطلب نزول الجيش إلى الشارع. إلا أن المشير محمد عبد الغني الجمسي، وزير الحربية آنذاك، رفض نزول الجيش قبل إلغاء القرارات الاقتصادية التي فجّرت الغضب الشعبي، محذّرًا الرئيس من أن استمرار هذه القرارات قد يدفع بعض وحدات الجيش إلى الانحياز للشعب في الشوارع.
اضطر السادات إلى إلغاء القرارات، لكنه غضب من موقف الجمسي واعتبره تحديًا مباشرًا لسلطته. نزل الجيش إلى الشوارع بعد إلغاء القرارات، وانتهت الانتفاضة الشعبية مساء يوم 19 يناير 1977.
ورغم أن السادات كان قد وعد المشير الجمسي بالإبقاء عليه وزيرًا للحربية طوال فترة رئاسته، فإن هذا الوعد لم يصمد طويلًا. ففي أكتوبر 1978، وقبل العرض العسكري بمناسبة انتصارات أكتوبر، أقال السادات المشير محمد عبد الغني الجمسي من منصبه، وكان الجمسي بذلك آخر من شغل منصب وزير الحربية في مصر، إذ جرى بعده تغيير المسمّى رسميًا إلى وزير الدفاع.
أسفرت أحداث الانتفاضة عن مقتل نحو 160 مصريًا، وإصابة أكثر من 600، واعتقال ما يقرب من 1250 شخصًا. وكانت الانتفاضة في جوهرها انتفاضة الطبقة الوسطى المصرية، وقادها اليسار المصري بمختلف أطيافه، الناصرية والشيوعية.
ولا يمكن فهم انتفاضة يناير 1977 بمعزل عن المسار الأوسع للانقلاب على سياسات ومبادئ العهد الناصري، وهو مسار بدأ بوفاة جمال عبد الناصر المفاجئة في 28 سبتمبر 1970، ثم بما عُرف بانقلاب مايو 1971، وصولًا إلى اللقاء المنفرد بين السادات ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في 7 نوفمبر 1973، حيث تعهّد السادات بتفكيك تركة عبد الناصر وتحطيم رمزيته السياسية.
وتبع ذلك توقيع اتفاقيتي فك الاشتباك الأولى والثانية عامي 1974 و1975، وصولًا إلى انتفاضة يناير 1977 بوصفها ذروة الرفض الشعبي لهذا المسار.
كان من الممكن لانتفاضة 18 و19 يناير 1977 أن تكون أول انتفاضة شعبية مصرية بعد ثورة 23 يوليو تُسقط حاكمًا، لو أنها استمرت عدة أيام إضافية، وتوفّر لها حدٌّ أدنى من التنظيم السياسي.
غير أن فشلها أتاح لنظام السادات إعادة ترتيب أوراقه وتثبيت أركانه، وهو ما مهّد الطريق لاستمرار النهج ذاته حتى سقوط نظام حسني مبارك، خليفة السادات السياسي والاقتصادي، في انتفاضة 25 يناير 2011.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
