حين يبتعد الكتاب

بقلم اقبال عبدالرحيم

لم يعد السؤال لماذا لا نقرأ؟ بل متى أصبح الكتاب خارج المشهد؟ لماذا قلّ الإقبال على القراءة العامة؟
مع تتدفق المعلومات بلا توقف، يبدو غريبًا أن تتراجع القراءة، لكنها المفارقة نفسها: كثرة المحتوى لا تعني عمق المعرفة. فالقراءة العامة، بوصفها فعلًا هادئًا وتأمليًا، تراجعت أمام عالمٍ يفضل السرعة على الفهم، والملخص على التجربة الكاملة.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأكبر في هذا التحول. النصوص القصيرة، المقاطع السريعة، والعناوين الجاذبة صنعت ذائقة جديدة لا تصبر على كتاب، ولا تحتمل فكرة طويلة. صار القارئ متلقيًا، لا مشاركًا في التفكير، يكتفي بجرعات معرفية سريعة لا تترك أثرًا.
ثم يأتي دور المدرسة، التي فشلت – في كثير من الأحيان – في جعل القراءة فعل متعة. تحوّل الكتاب إلى واجب ثقيل مرتبط بالامتحان والعقاب، لا بالاكتشاف والدهشة. وهكذا نشأ جيل يرى القراءة عبئًا، لا ملاذًا.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن الواقع الاقتصادي والنفسي. في مجتمعات مثقلة بالأزمات، تصبح القراءة ترفًا مؤجلًا. فالكتاب يحتاج وقتًا وهدوءًا، وهذان باتا من العملات النادرة. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الكتب، وغياب المكتبات العامة، وضعف الفعاليات الثقافية، لتكتمل دائرة العزوف.
لكن الأخطر من كل ذلك هو غياب القدوة. حين يغيب المثقف عن المشهد العام، ويتقدّم صانع المحتوى الخفيف ليحتل موقع التأثير، تفقد القراءة قيمتها الرمزية. لم تعد علامة وعي أو مكانة اجتماعية، بل هواية هامشية.
ومع ذلك، فالقراءة لم تمت، بل تغيّرت. انتقلت إلى الشاشات، تقلّصت مساحتها، وتخلّت عن عمقها. نحن لا نعيش زمن اللاقراءة، بل زمن القراءة السطحية.
الخلاصة أن تراجع الإقبال على القراءة العامة ليس فشل الأفراد، بل نتيجة سياق كامل أعاد تعريف المعرفة والوقت والقيمة. واستعادة القراءة لا تكون بالوعظ، بل بإعادة الاعتبار لها كفعل مقاومة لمقاومة السطحية، والنسيان، والضجيج.
فالكتاب، في النهاية، ليس سلعة…بل مساحة نجاة.

شاهد أيضاً

يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء

طوفان الجنيد. كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر …