د/قادري عبدالله صروان
إن استحضار قصة فرعون في الوعي الإنساني ليس استدعاء تاريخيا بريئا بل هو استدعاء رمزي متجدد لكل نموذج طغيان يتكرر عبر العصور. ففرعون لم يكن مجرد شخصٍ عابر عبرالزمن بل كان منهجا متكاملًا في الاستكبار، بلغ ذروته حين قال أنا ربكم الأعلى فاختصر في جملة واحدة جوهر الغرور السياسي حين يتحول الحاكم من خادمٍ للناس إلى إلهٍ مزعوم فوقهم.ولم يخلّد القرآن الكريم فرعون لذاته، وإنما خلّده باعتباره آية وسنّة تاريخية حين قال تعالى
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾،
في إشارة واضحة إلى أن الطغيان
لا يُمحى من الذاكرة، بل يُعرّى أمام الشعوب ليبقى درسًا مفتوحًا لكل من يسلك الطريق ذاته، مهما تغيّرت الأسماء والأزمنة.وفي المشهد الدولي المعاصر، يصعب فصل السياسات الأمريكية، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، عن هذا النموذج الفرعوني الحديث حيث يتجلى الاستعلاء السياسي، واحتقار القانون الدولي، وادعاء الحق المطلق في الحصار والعقاب والتجويع. لم يتعامل ترامب مع العالم كشركاء متساوين، بل كتوابع، ولم يرَ في الدول المستقلة سوى عوائق أمام مشروع الهيمنة الأمريكية الصهيونية.
ومن هنا فإن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ليست خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، بل هي صدام بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة الذي يرى العالم ساحة إخضاع ونهب، ومشروع الرفض الذي يتمسك بالسيادة والاستقلال وامتلاك القرار الوطني.
لقد قدّمت إيران، رغم الحصار
والضغوط، نموذجًا أربك البيت الأبيض دولة تحاصر فلا تنهار، وتهدد فلا تخضع، وتشيطن فلا تتخلى عن ثوابتها. وهذا ما يفسر الهستيريا السياسية والإعلامية الأمريكية، لأن فرعون، في كل زمان، يخاف من موسى، لا لقوته المادية، بل لأنه يحطم وهم الألوهية الزائفة، ويكشف هشاشة الاستكبار مهما بدا
صلبًا
ويعلّمنا التاريخ أن الطغاة لا يسقطون دفعة واحدة بل يُكشف زيفهم أولًا، ثم تتآكل هيبتهم، ثم تتخلى عنهم أدواتهم، حتى يتحولوا إلى عبرة تتداول للتحذير والسخرية. وقد لا تتجسد الآية اليوم في جسدٍ يُلقى على شاطئ البحر، بل في سقوط الهيبة، وتفكك النفوذ وانكشاف الإفلاس الأخلاقي والسياسي.
إن الأيام القادمة كفيلة بإثبات حقيقة ثابتة: من يتقمص دور فرعون، ولو بأدوات حديثة، سيواجه المصير ذاته لأن سنن الله لا تتبدل، ولأن الشعوب مهما طال صبرها لا تنسى من تجبر عليها.
وما يجري اليوم ليس إلا فصلًا جديدًا من صراع قديم الاستكبار في مواجهة الإرادة، والطغيان في مواجهة الوعي، وفرعون العصر في مواجهة شعوبٍ لم تعد تخاف. من هيمنته وغطرسته
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
