تأليف وإعداد الدكتور حسام الدين خلاصي
رئيس ومؤسس الأمانة العامة للثوابت الوطنية في سورية / مجتمع مدني وطني سوري
ثلاث كلمات مفتاحية لهذا المقال ألا وهي العلمانية – التعددية الثقافية – التكفير ، وهي التي سيدور بينها جدال وجدل للوصول إلى علاقة بينها تفصل وتضع الخطوط وتطرح السؤالين التاليين:
- من في مواجهة من ؟
- من مع من في مواجهة من ؟
إن افضل المقالات والمقولات هي التي تنطلق من الواقع ، إذ أثبتت التجربة أن استنباط التعاريف والمواضيع والحلول من الواقع المحلي لمشكلة ما هي الطريقة الأمثل للتشخيص .
لقد اجتاحت المنطقة والعالم على حين غرة موجة من الفكر الظلامي التكفيري الغير قابل للتطبيع معه بأي شكل من الأشكال نظراً لإقصائه الجميع وتفرده بالوجود وإدارة الشؤون الحياتية للناس منطلقاً من موروث ديني مبني على تراكم تاريخي للمعرفة الدينية الضحلة المقصودة والتي أوصلت العالم كله لنظرية إما مثلي أو أنت لا أحد وعليك الفناء ، وهذا يتشابه مع نظرية بوش الرئيس الأمريكي الأسبق أثناء حربه على العراق ، ولكن هذه المرة أتى في صورة رد فعل مصطنع على يد المتأسلمين الجدد أو ظاهرة ما يسمى بالقاعدة أو داعش أو جبهة النصرة أو عصابة الإخوان المسلمين في القرن 21 .
هذا الفكر التكفيري الذي ظهر وبقوة وظهر له مناصرون كثر على امتداد الوطن العربي والإسلامي وفي أوربا ، أسس له عبر عقدين أو أكثر من الزمن منظومة آل سعود وحكام الخليج المرتبطين بقوة مع المملكة الوهابية التي بدا واضحا ً أنها تستعد لأسلمة العالم على طريقة محمد عبد الوهاب عبر نشر مبشريها في كل أصقاع الأرض بدعوى نشر تعاليم الإسلام السمحاء بداية وزرع القنابل البشرية المتطرفة والغيورة على دين محمد تمهيدا لاستغلالهم في القضاء على النظم الجمهورية والحكومات الشبه ديموقراطية في خدمة للمخطط الإمبريالي الواسع للمنطقة والعالم .
وكان لابد من رافعة اجتماعية واقتصادية مناسبة لمثل هذا الانتشار لفكر الوهابي التكفيري، تجلت هذه الرافعة في مايلي:
1 – غياب النظم الديموقراطية الحقيقية في دول الوطن العربي
2- انتشار الجهل والفقر في صفوف الغالبية الشعبية
3- الفراغ الروحي والمادي الذي تركه تأثير تراجع فاعلية- الأحزاب العلمانية والتقدمية اليسارية في كامل الوطن العربي الأمر الذي دفع بالشباب العربي للبحث عن الروح في الدين المزيف الذي كان متوفراً عبر وسائل الإعلام بذكاء شديد .
4- الحاجات الاقتصادية لمعظم شعوب المشرق العربي واستقدام العمالة المتعلمة والجاهلة إلى دول الخليج العربي والمملكة الوهابية وتجهيز صفوف من المفكرين الوهابيين لا بل المقاتلين الانتحارين استعدادا ً لساعة الصفر واستعمالهم اينما اقتضت الضرورة الإسلامية المزيفة كما اتضح من احداث سورية وليبيا والعراق .
5- زرع الأفكار الغريبة وتدحرج اقحامها في عقول الشباب العربي والإسلامي ، وشيطنة الخطاب الديني ليبدو فيه الإسلام كأنه مستهدف بوجوده لينبري المدافعون عنه من كل حدب وصوب من أرجاء العالمين العربي والإسلامي إنقاذاً وتبشيراً بدولة الخلافة الإسلامية . - من هنا نستنشق رائحة الخطر الذي يهدد وبقوة الوجود الكامل لأمم ودول عريقة اجتهدت انسانياً لتقدم نموذجاً في الاستقلال والسيادة رغم تعثرها في هذا الاجتهاد عبر آخر 50 عام من القرن الماضي .
- إذا فراغ الساحة العربية من الفكر التقدمي واليساري والعلماني وانقراض المفكرين اليساريين بفعل الاضطهاد السياسي هو من سمح للبديل التكفيري بالحضور بقوة في المشهد العسكري والسياسي للمنطقة وصار شغلها الشاغل ، بالطبع كانت هناك مؤشرات تدل على اقتراب انفجار وتشظي هذا الفكر التكفيري وبقوة مع بداية الألفية الجديدة، ولكن كامل الحكومات العربية والإسلامية إما كانت في حالة مصالحة مع القواعد الأخوانية المنتشرة درءاً لشرها أو كانت في حالة من الاستخفاف بالحركات الإسلامية السلفية والجهادية والغرور الزائد بإمكانية القضاء عليها في أي وقت , أما حكومات أوربا الشمالية فكانت تغذي هذه المنابر وتفتح لها المجال لتستخدمها فيما بعد كأداة للإرهاب المنظم لتنتشر عسكرياً واقتصادياً بحجة القضاء عليه متجاهلة أن هذا الإرهاب سينقلب عليها لأن ماهية الفكر التكفيري تعتمد على عض اليد التي مدت له أول الأمر عندما تقوى شوكته لأنه من اصحاب نظرية الفناء للغير مهما كان وعلا شأنه لأن الغلبة لله وحده في نهاية الأمر والجنان في الانتظار.
- من هنا برزت أهمية التصدي لهذا المشروع الصهيوني القائم على ركائز إسلامية مشوهة عبر زمن طويل وجدت بيئة خصبة في انعدام وتراجع شكل الدولة العلمانية أمام الانصياع لرجال الدين الموجهين وهابياً بطريقة ذكية في انتظار لحظة الصفر .
إن دراسة اي واقع عربي في الدول التي عانت من ويلات الربيع العربي ، ستشابه بعضها مع اختلاف مقومات المجتمعات من حيث الاثنية والعشائرية والقبلية رغم أنها جميعاً ستكون البيئة الحاضنة للفكر الوهابي في بداية الحراك الذي صور سلمياً نتيجة التماسك بين أفراد المجتمع والعشيرة . لقد درست الحركة الوهابية ومن وراءها الصهيونية المجتمع العربي بدقة متناهية وعرفت وحددت ساعة الصفر بعد أن لعبت على التناقضات الدينية والسياسية بين الناس وسخرت هذه التناقضات لمصلحة الحركة الوهابية التكفيرية المتشددة ، وسنجد أن الدين هو العامل الأساس في تحريك الشارع وأينما غيرنا وجهتنا سنجد الدين هو الرافعة الأساسية لأي تطرف لأنه في خواتم هذا التطرف الجنة الموعودة .
فلا بد إذاً من البحث عن بدائل وحلول جذرية قد تبدو صعبة التنفيذ ولكن المشاكل الصعبة تحتاج إلى حلول صعبة الاكتشاف ، ولا بد من الاستعانة بالخبرات التاريخية للمجتمعات التي عانت من سيطرة الدين ورجاله وتخلصت منها بصورة أو بأخرى وغدا الحديث فيها عن فصل الدين عن الدولة أمراً محسوما ً .
• المدخل التاريخي :
لقد نشأت العلمانية كما يعرف الباحثون في جذورها عبر الفلسفة اليونانية القديمة ( إبيقور )، غير أنها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين أمثال توماس جيفرسون وفولتير وسواهما، وأخذت مضموناً مفاده بأنها هي فصل الحكومة والسلطة السياسية عن السلطة الدينية أو الشخصيات الدينية ، وتعني فيما تعنيه عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية ، و تكفل عدم تبني دين معيّن كدين رسمي للدولة.
العلمانية في العربية مشتقة من مفردة عَلَم وهي بدورها قادمة من اللغات السامية القريبة منها؛ أما في الإنجليزية والفرنسية فهي مشتقة من اليونانية بمعنى “العامة” أو “الشعب” ؛ وإبان عصر النهضة بات المصطلح يشير إلى القضايا التي تهم العامة أو الشعب بعكس القضايا التي تهم خاصته. أما في اللغات السامية ففي السريانية تشير كلمة ܥܠܡܐ (نقحرة: عَلما) إلى ما هو منتمي إلى العالم أو الدنيا أي دون النظر إلى العالم الروحي أو الماورائي، وبشكل عام لا علاقة للمصطلح بالعلوم أو سواها وإنما يشير إلى الاهتمام بالقضايا الأرضية فحسب، وتقدم دائرة المعارف البريطانية تعريف العلمانية بكونها : “حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الأخروية “.
وعرف الفيلسوف وعالم اللاهوت غيوم الأوكامي حول أهمية: “فصل الزمني عن الروحي، فكما يترتب على السلطة الدينية وعلى السلطة المدنية أن يتقيدا بالمضمار الخاص بكل منهما، فإن الإيمان والعقل ليس لهما أي شيء مشترك وعليهما أن يحترما استقلالهما الداخلي بشكل متبادل.
في القرن السابع عشر، ولعلّ الفيلسوف سبينوزا كان أول من أشار إلى العلمانية إذ قال أن الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية ، وأشار أيضًا إلى أن الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومًا للتطوير والتحديث على عكس شريعة ثابتة موحاة. فهو يرفض اعتماد الشرائع الدينية مطلقًا مؤكدًا إن قوانين العدل الطبيعية والإخاء والحرية هي وحدها مصدر التشريع .
الفيلسوف الإنكليزي جون لوك كتب في موضوع العلمانية: “من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الدين كلية ، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة”.
وبرز تعريف العلمانية بالطريقة الأمريكية بالتصريح التالي لثالث رؤساء الولايات المتحدة الإمريكية توماس جيفرسون، إذ صرّح: “إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم”. وقد أصبح الأمر مكفولاً بقوة الدستور عام 1789 حين فصل الدين عن الدولة رسميًا فيما دعي «إعلان الحقوق».
ويفسر عدد من النقاد ذلك بأن الأمم الحديثة لا يمكن أن تبني هويتها على أي من الخيارات الطائفية، أو تفضيل الشريحة الغالبة من رعاياها سواءً في التشريع أو في المناصب القيادية، فهذا يؤدي إلى تضعضع بنيانها القومي من ناحية، وتحولها إلى دولة تتخلف عن ركب التقدم بنتيجة قولبة الفكر بقالب الدين أو الأخلاق أو التقاليد .
أول من ابتدع مصطلح العلمانية هو الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851 إذ صرح: “لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة، وتختبر نتائجها في هذه الحياة”. بناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية.
• واضح إذا أنه من المختلف عليه وضع تعريف محدد للدولة العلمانية؛ وفي الواقع فهو تعريف يشمل ثلاث حالات متباينة ، ويتداخل مع مفهوم دين الدولة أو الدين ذو الامتياز الخاص في دولة معينة.
1- هناك بعض الدول تنصّ دساتيرها صراحة على هويتها العلمانية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية والهند وكندا
2- بعض الدول الأخرى، لم تذكر العلمانية في دساتيرها ولكنها لم تحدد دينًا للدولة، وتنصّ قوانينها على المساواة بين جميع المواطنين وعدم تفضيل أحد الأديان والسماح بحرية ممارسة المعتقد والإلحاد ، واحترام حقوق الأقليات الدينية، وهي بالتالي تعتبر دولاً علمانية.
3- هناك الشريحة الثالثة من الدول وتنصّ دساتيرها على دين الدولة معيّن كمصر,وسورية والعراق وموناكو واليونان غير أن دساتيرها تحوي المبادئ العلمانية العامة، كالمساواة بين جميع مواطنيها وكفالة الحريات العامة، مع تقييد لهذه الحريات، يختلف حسب الدول ذاتها. ففي مالطا وهي دولة تتخذ المسيحية الكاثوليكية دينًا لها يعتبر الإجهاض محرمًا بقوة القانون، وذلك مراعاة للعقائد الكاثوليكية، ومع ذلك فإن نسب تقييد الحريات العامة في مالطا هو أقل بكثير مما هو عليه في دول أخرى كمصر حيث تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ما أدى إلى قيود حول تغيير الدين أو بناء دور عبادة غير إسلامية مثلاً . ولذلك هنا حلت فكرة “الدولة المدنية” بدلاً من “الدولة العلمانية” واقترح البعض “دولة مدنية بمرجعية دينية”!!!!
وبالتالي سنرى أنه لا يحدد كون الدولة علمانية حسب دين الدولة بمقدار ما يحدده طبيعة دور رجال الدين في الدولة ومدى انتشار الفكر الديني في عادات وقوانين المجتمع .
وتعترض العلمانية إشكالية كبيرة من جهة الديمقراطية بمعناها الضيق وهو حكم الأغلبية بدون الاهتمام لحريات الأفراد وهو ما يدعى بالديمقراطية اللاليبرالية، فإنها بهذا المعنى لا تقتضي فصل الدين عن الدولة بالضرورة بل تعتمد على اختيار أغلبية الشعب التي قد تكون دينية كما يمكن أن تكون لادينية. لكن إذا أدخلنا حرية التعبير اللازمة لمنافسة عادلة للمعارضة السياسية في تعريف الديمقراطية فيستلزم ذلك فصل الدين عن الدولة بما يسمح بحرية الأفراد في التعبير بلا قيود دينية إذ بدون هذه الحرية لا يمكن للسياسيين والمفكرين العلمانيين أن يعبّروا عن آرائهم مما يخل بمبدأ الحرية الأساسية للدعاية الانتخابية التي يمكن أن تتضمن ما هو مخالف للدين.
وبالتالي فإن العلمانية بمعناها الضيق ليست إلا جزءا من معنى الليبرالية فهي تفصل الدين فقط عن الدولة وهذا لا يكفي لضمان حرية وحقوق الأفراد بينما تفصل الليبرالية جميع المعتقدات الشمولية عن الدولة سواء كانت دينية أو غير دينية.
من هذا كله نجد أن العلمانية ولدت غربية ولكن الانتقال للعالم العربي ونشر الفكر العلماني فيه تم من خلال مساهمة ومعاناة العديد من المفكرين والمغيرين العرب ومن خلال رغبتهم في التخلص من الضاغط الاسود لدور رجال الدين والأفكار الدينية التي سيطرت طيلة قرون من الزمن على المنهج الفكري والسياسي والاجتماعي للعرب والمسلمين كافة , لأن الدين انتشر وعمم في بلدان عرفت بحضاراتها العلمية والثقافية وعلى أرضية من التعددية الثقافية والعرقية المختلفة وبالتدريج صار هو وحتى يومنا هذا المرجع الأول لكل تصرفاتنا وسلوكنا وسياساتنا وألغى الدين كل دور فاعل للتنوع الثقافي وصادر الحريات والإبداعات والحريات الشخصية بفضل الحاكمية الالهية والتفويض الإلهي التي ميز به أنفسهم رجال الدين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم .
ولذلك وصف العلمانيون بأنهم ملحدون والداعون للعلمانية وبأنهم كفرة وفي أول سلم التكفير من قبل دعاة الفكر الوهابي التكفيري ، رغم المحاولات العديدة الجادة لتوضيح حقيقة أن العلمانية ليست ضد الدين في شيء بل تقف على الحياد منه ولا تلزم أحداً بتبني أفكارها ولكنها كما لاتفرض ذاتها على الآخرين فهي تطالب بعدم فرض ذوات وأفكار الآخرين على المجتمع وأنه من الواجب أن تكون الدولة للجميع ولا وصاية لأحد أو لفكرة على المجتمع وأفراده إلا وصاية القانون المتفق عليه والقابل للتجدد والتطوير حسب حاجات المجتمع ، إذ لا تعتبر العلمانيّة شيئاً جامدًا بل هي قابلة للتحديث والتكييف حسب ظروف الدول التي تتبناها ، وتختلف حدة تطبيقها ودعمها من قبل الأحزاب أو الجمعيات الداعمة لها بين مختلف مناطق العالم وأيضا ًلا تعتبر العلمانية ذاتها ضد الدين بل تقف على الحياد منه، وكما أسلفت يعتبرها البعض جزءًا من (التيار الإلحادي) كما جاء في (الموسوعة العربية العالمية) الصادرة في السعودية.
وفي نظرة موسعة على عالمنا العربي والإسلامي سنجد أن التطرف بكل أنواعه ( السياسي والديني فكلاهما في ارتباط وثيق مع بعضهما البعض نتيجة المصالح المشتركة ) يشكل عائقاً أمام انتشار العلمانية والمدنية كحل للتعايش السلمي الدائم وعنواناً واضحاً بعيداً عن كافة طرائق التحايل والتواطىء بين السلطات السياسية والمؤسسات الدينية بمختلف أنواعها كأمر واقع . ولذلك فإن مهمة العلمانية دائماً كانت شاقة لأسباب عديدة تتضارب مع السلطة الدينية ومع التحالف السلطوي الديني – السياسي و منها :
1- العلمانية تضمن حرية الأفراد والجماعات في ممارسة معتقداتهم بعيداً عن التعالي من قبل الأكثريات أو من قبل المدعين للصواب في المعتقد وذلك بحماية القانون الوضعي الزماني وليس الروحي الإلهي والغير مطبق والغير ملائم للحاجات البشرية المختلفة .
2- العلمانية تحافظ على التنوع والتعددية الثقافية والدينية والسياسية في إطار احترام السيادة الوطنية وتغليب الوطنية على أي انتماء آخر .
3- العلمانية تؤمن بحق الجميع في الوطن بالتعبير عن ذاتهم بلا خوف وبالطريقة التي لا تتعارض مع القانون الذي يمتلك في طياته التطور لمصلحة الوطن .
4- العلمانية تتعارض مع كل النزعات المذهبية والطائفية والمناطقية ذات المفاهيم القسرية الجامدة والتي تم الاشتغال عليها عبر زمن طويل من أجل تفكيك دول المنطقة وخاصة دول العالم العربي والإسلامي ، ولكنها لا تتعارض مع سيادة القانون الوضعي الذي يصون حقوق الفرد والجماعات وتؤمن بتطويره الدائم .
5- العلمانية ولأنها تمتاز بالمرونة وتؤمن بالتغيير الإيجابي وتتلاءم مع تطورات العلم والمدنية ، فإنها يمكن أن تشكل أرضية تلاقي لكافة الشرائح المجتمعية وتؤمن وسائل التفاعل بينها في إطار من الاحترام المتبادل بغض النظر عن حجم التمثيل .
6- العلمانية ليست في عداء مع الدين بل العكس هو الصحيح ولكنها ترى فيه الخطر الأول للدولة الوطنية لأنه يفرض ذاته كعابر للحدود في وقت بات واضحاً أن السيادة الوطنية باتت اساس معادلات التغيير في العالم وأن العدوان يتم على حدود الدول وثقافاتها من خلال التعدي المكاني والمعنوي ، ويشكل الدين حليفاً مباشراً لرغبات التعدي الخارجية ومسهلاً للاختراق لثقافي والمعنوي كخطوة أولية للاجتياح التالي والواسع .
وبعد فإن الناظر لثورات الربيع العربي التي حدثت في الوطن العربي سيجد ببساطة أنها بدأت مثل كرة الثلج صغيرة بمطالبها وكبيرة بأهدافها الغير معلنة وارتكزت على مطالب شعبية تبدو سهلة التحقيق ، ولكن مع مرور الوقت ولتباين درجة الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي صارت كل دولة عربية في مهب العاصفة ورسم مصير كل دولة على حدة والبقية يعرفها الجميع ولكن اللافت للنظر هو دور الدين والسلطة السياسية في كل الدول التي ظهر فيها الربيع العربي المزعوم .
كان واضحا للجميع أن كل الأنظمة العربية السابقة والحالية في حالة تصالح مع المؤسسات الدينية ورجال الدين في اعتقاد فاشل من قبل هذه الأنظمة بأن الأمور تجري بخير وأن رجال الدين يؤتمن لهم هم ومؤسساتهم وأنهم انخرطوا في المشاريع الوطنية ( نموذج مدنية الدولة فقط والحفاظ على التشريع الديني مصدراً للقوانين ) ولكن الذي حصل ولأن القضية عقائدية ولأن الهدنة كانت طويلة مع الكيان الأول الراعي للإرهاب ( المملكة السعودية ) فإن هذه الأخيرة استطاعت أن تتغلغل عبر مبشريها في كيانات هذه الأنظمة واتضح فيما بعد أن رجال الدين انقلبوا على أولياء النعم وارتدوا إلى صلب العقيدة التكفيرية الوهابية وصاروا باسم الدين يبشرون بمشروع خلافة اسلامية يستطيع أن يورط معه كل غيور على الدين فاقد لمبادئ الوطنية والتي لم يربى عليها اصلا بقوة .
من هنا نجد أن رجال الدين يصلحون لكل زمان وأوان فهم مع الأنظمة كلها وبكل أنواعها سواء كانت مستبدة أو شبه عادلة أو هم مع ثورات الشعوب ويمارسون دور القيادة فيها فلا صوت يعلو على صوت السماء بحسب رأيهم ولأنهم الخلفاء على الأمر ، ويركبون عليها ويمتلكون السلطة والتأثير طالما أن القوانين سمحت لهم بذلك وسمحت بتأثيرهم المباشر والغير مباشر في المجتمع ليضربوا أصول كيانه الوطني باسم أن الدين يستوعب كل المخالفات بين الناس ولكنه وصي عليهم في نهاية الأمر بفعل الحاكمية الإلهية .
وتطور الأمر في سورية والعراق وانتشر من المشرق العربي إلى المغرب العربي إلى أوربا وصارت دولة الخلافة الوهابية أمراً واقعاً ، كل هذا يحصل ومازال العرب حكومات وشعوب لا يرغبون بفصل السلطة الدينية عن السياسية ومازالوا يهابون الغيب ورجاله وتأثيرهم ويشدوا أزرهم بهم .
إن الواقعية السياسية والثقافية لا يجب ان تستثني أمراً مهما ً مثل تأثير السلطة الدينية والدين على المجتمع ولكنها لا يجب أن تبقى تحت تأثيره وسطوته وعليها أن تتسلح بالقوانين المدنية اللازمة للتخفيف والتقليل من هذه الأثار وإبعاد الخوف من قلوب الأقليات على مصيرهم في المنطقة ، وكامل الاعتقاد أن الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة هي الفرصة السانحة لإجراء التغيير الشامل نحو علمنة الدول وليس الاكتفاء بمدنيتها أي بالفصل التام بين الدين والسياسة لأن مافعله أنصار هذه التيارات الدينية التكفيرية كافٍ بصورة كافية لينفر الناس من السلوكات الخاطئة والمحرمة لمناصري الأديان وليقبلوا التغيير ، وذلك افضل من عقد الهدنة من جديد من قبل السلطات السياسية الجديدة مع الدين ورجاله تحت ( عنوان الدين المعتدل يستحق الحياة !!!! ) نعم انه يستحق الحياة إن وجد أصلاً في تاريخ الشعوب ولكن بالتساوي مع غيره من المعتقدات وتكريس ثقافة مزيد من الحريات تضمن مزيد من الممارسات الصحيحة لأن الكبت يولد التطرف .
إن العلمانية عليها أن تخرج من رحم الواقع العربي والمشرقي العربي تحديداً لأنها تنبثق من جو مفعم بالحضارات المختلفة والثقافات المتعددة فهي أرض الحضارات الواجب الاعتناء بمنتجاتها دائماً وبمن يتبع هذه الثقافات كأقليات وطنية . ولن يكون هناك تعريف مستورد لها بل يجب تعريفها محلياً واستنباط أخلاقياتها بما يتناسب مع الواقع المحلي لكل دولة وطنية فليست هناك وصفة جاهزة لكل الدول ، بل المطلوب التأكيد على مايلي :
1- العلمانية تعتبر الدين أحد روافع الثقافة وليس الرافعة الوحيدة لثقافة المجتمع العربي والوطني .
2- العلمانية تعتبر الدين إرثاً تاريخياً ساهم في تشكيل الهوية الثقافية لبعض مكونات المجتمع وليس لكل المكونات .
3- العلمانية تعتبر رجال الدين شريحة مجتمعية متساوية الحقوق والواجبات أمام القانون والقضاء وغير منزهة وتمارس عقيدتها بدون إكراه ولا تكره الغير على ممارسة عقائدها مهما بلغ حجم تمثيلها في المجتمع .
4- العلمانية تعتبر أن الدور السياسي لرجال الدين لا يكون إلا بموجب ما يسمح به الدستور والقانون فقط ولا امتيازات أخرى ممنوحه من قبل السلطة السياسية .
5- العلمانية تعتبر أن كل منتسبي الأديان متساويين في الحقوق والواجبات ولا فرق بينهم لإنتماءاتهم الدينية حسب الأغلبية المنتشرة .
6- العلمانية هي الفرصة الأفضل ليمارس كل حريته بغض النظر عن انتماءه الديني أو المذهبي أو الطائفي بدون قيد او شرط إلا بما نص القانون الوضعي الزماني المتطور .
7- العلمانية تكفل للتعددية الثقافية والسياسية فرصاً متساوية ولا تنتقص من اي جهد وطني ولا تنظر بقانون الأغلبية على أنه الهاضم للحقوق بل هو الضامن للحقوق الخاصة بالأقليات .
لذلك سنجد أن أفضل وسيلة جادة لمواجهة الفكر التكفيري هو التشخيص السليم للبوابة التي نفذ منها التكفير والتطرف ألا وهي الدين وليس الدين بالقيمة المجردة ولكن الدين السياسي والذي كان من خلاله رجال الدين على علاقة وثيقة مع السلطات والأنظمة الحاكمة مما سمح لهم بتشكيل البيئات الحاضنة لكل مناطق انبعاث التطرف بصورة متصاعدة ، ولا نغفل دور المؤسسات الصهيونية الراعية والداعمة للجماعات التكفيرية على مستوى القيادات وتجهيزها للبدء بمشروع التكفير الأكبر ( دولة الخلافة الاسلامية ) والتي على انقاضها تقوم ( دولة بني صهيون الكبرى ) وينتهي العالم في قبضة الصهيونية العالمية بكل موارده .
ولكن دول السيادة الوطنية ولكي تعزز روح هذه السيادة يجب أن ترتكز على مفاهيم أشمل وأعم لتجعل كل افراد المجتمع مساهمين جديين وملتزمين فاعلين في بناء دولتهم لا أن تكون الرعاية بفعل منتجات الديموقراطية العمياء خاصة في الدول ذات الأغلبية الدينية ، ومن هذه المفاهيم احترام التعددية الثقافية وتكريسها وحمايتها بفضل القانون لأنها تشكل تنوعاً يمثل كل أفراد المجتمع فالثقافات وجدت قبل الدين وثقافته ونهضت أمم وحضارات بمعزل عن الدين الحالي اي دين واقع الحال الذي لايسمح لغيره بالقيام إلا من تحت عباءته فقط وضمن قوانين وصايته على المجتمع . وبالتالي فإن التعددية الثقافية في مجتمع تسمح لكل الامكانيات في ظل مجتمع علماني مدني بالظهور على حد واحد من المسؤولية والتسامح وتسمح للغير كما تسمح لنفسها في الانتشار فوق رقعة الأوطان في ظل سيادة القانون وبعيداً عن التسلط السياسي – الديني .
مما سبق سنجد أن الإرهاب التكفيري الذي عم الدول وألغى البشر والحجر ، وأن داعميه من دول الخليج وتركيا والكيان الصهيوني هم أنفسهم لا يتمنون وصوله إليهم وإنما جعلوا من دولهم سنداً لهذه العصابات التكفيرية كي يهدوا كيان دول مقاومة للمشروع الصهيو- أمريكي في المنطقة ، سنجد أن الحل الوحيد بعد القضاء عليه هو في علمنة الدولة على أسس محلية واضحة منطلقة من الواقع ومتدرجة في التطبيق فالفرصة اليوم باتت سانحة للقضاء على التطرف الديني الذ يلغي كل النماذج الجيدة أيضاً من التعايش بين الدولة والدين وخير مثال على ذلك حركة المقاومة الاسلامية اللبنانية ( حزب الله ) والذي كان بعد حرب تموز المعشوق الجميع ، وبكلمة واحدة رماها شيوخ دين وهابي تكفيري لغاية صهيونية إذ قالوا أنه حزب شيعي ضد السنة صار حزب الله ببساطة حزب الشيطان في عقول الغالبية الصماء البكماء وتحولوا ضده ، وبنظرة واقعية سنجد أننا لربما نقدم على حرب دينية سنية – شيعية والسبب بسيط ان الحق والتمييز بالحق صار مفهوما دينيا من جديد مابين طائفتين وكأن الناس جميعاً هم من الطائفتين … إذا علينا أن نبحث عن صيغ جديد تضمن أمن وسلامة المجتمع وأن ننزع الذرائع ولتكن المقاومة وطنية ولتكن السيادة وطنية ولتكن الحقوق وطنية والتساوي أمام القانون بغض النظر عن كل الفوارق ، ولا يضمن ذلك إلا دولة علمانية واقعية متدرجة في تحقيق التغيير لمصلحة أن الكل متساوون أمام القانون وأن الآخرة هي شأن الأفراد وأنه لاعلاقة للآخرة الإلهية بقوة الدول وصلاحية المجتمعات لكي تنافس بين الأمم على البقاء وإنما القدرة على البناء والتشاركية والتكافؤ بين افراد الوطن الواحد متساوية .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
