“العابرون في حياتنا كثيرون… لكن أصحاب البصمات عملة نادرة”

بقلم : فاطمة يوسف بصل

الحياة ليست سوى ممر طويل، تتقاطع فيه الطرق، وتتشابك فيه الخطوات، وتلتقي فيه الأرواح، ثم تتباعد. كم من وجوه مرّت بنا ولم نعد نذكر ملامحها؟ كم من أسماء رنّت في آذاننا ثم تلاشت كصدى بعيد؟ نحن نعيش بين زحمة من العابرين، لكن وحدهم من يتركون أثرًا في أعماقنا، يعيشون فينا… حتى بعد رحيلهم.
العابرون يشبهون الريح، تمرّ خفيفة دون أن تخلّف دفئًا أو بردًا. أما أصحاب البصمات، فهم المطر، لا يأتون كثيرًا، لكنهم حين يأتون يُحيون الأرض.
قد يكون صاحب البصمة معلّمًا في الصف الخامس، لم يقل لنا سوى: “أنا أؤمن بك”، فتحوّلت الكلمة إلى جناحين حملانا حيث لم نتوقع.
وقد يكون صديقًا لم يُكثر الكلام، لكنه حضر حين غاب الجميع، وجلس بصمتٍ قرب انكسارك، فصنعت يده على كتفك ما لم تصنعه كل النصائح.

هم أولئك الذين لا يطلبون مكانًا في حياتك، لكنهم يحجزون مكانًا في قلبك دون استئذان
يرحلون أحيانًا، لكنهم لا يغيبون. تمامًا كأثر الطيب: لا تراه، لكنك لا تنكره.
نلتقي المئات في مسيرة العمر: زملاء دراسة، شركاء عمل، جيران، معارف، لكن كم منهم غيّر فينا شيئًا؟ كم منهم لمس روحنا دون أن يعبث بها؟ قليلون جدًّا…
وهم أشبه بندرة الذهب في صخور الأرض… مختفون بين الضجيج، لكن وجودهم ثروة.

صديق قال لك في لحظة انكسار: “أنا معك”، فاستقمت.
أم احتضنتك دون أن تسأل، فارتويت.
غريب ابتسم لك يومًا دون سبب، فخفّت عنك قسوة العالم.
كلهم لم يكونوا كثيرين… لكنهم كانوا كفاية.
ولذلك، كن أنت هذا النوع من الناس.
لا تكن عابرًا في حياة من حولك، بل كن البصمة التي لا تُمحى. لا تكن كثير الظهور، بل عميق الأثر.
كن اللّمس الخفيف الذي يُشفى، الكلمة التي تُنير، والموقف الذي يُحيي.
كن الشخص الذي حين يُذكَر، تُقال بعد اسمه عبارة:
“ما زلت أذكر ما فعله، ولن أنساه.”
“قد ننسى من مرّ بنا، لكننا لا ننسى من مرّ بنا وغيّر فينا شيئًا… فكن من هؤلاء.”

شاهد أيضاً

يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء

طوفان الجنيد. كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر …