إيران في قلب الاستهداف: قراءة سياسية في التوقيت والرهانات الدولية

دلال موسى

ما تشهده إيران اليوم من احتجاجات واضطرابات داخلية لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، ولا عن موقع الجمهورية الإسلامية في معادلات الصراع العالمي. فاختزال المشهد في بعده الاقتصادي أو الاجتماعي وحده يُغفل الحقيقة الأهم: إيران تتعرض منذ سنوات لحرب مركّبة، ناعمة وبطيئة، تستهدف إنهاك الدولة من الداخل بعد الفشل المتكرر في كسرها عسكريًا أو سياسيًا.
لا شك أن الضغوط الاقتصادية تركت أثرها على الشارع الإيراني، كما هو حال أي دولة تخضع لعقوبات قاسية وممنهجة. غير أن هذه الأزمات ليست نتاج فشل داخلي بقدر ما هي نتيجة حصار اقتصادي خانق يُستخدم كسلاح سياسي. العقوبات لم تُفرض لتغيير سلوك، بل لإحداث اختناق اجتماعي يُفجّر الشارع ويحوّل المعاناة المعيشية إلى أداة ضغط على النظام. من هنا، تصبح الاحتجاجات – مهما كانت دوافعها المعيشية – جزءًا من مشهد أوسع تسعى فيه قوى دولية إلى نقل المواجهة من الحدود إلى داخل المجتمع نفسه.

التزامن بين ما يحدث في إيران واضطرابات فنزويلا ليس صدفة. الدولتان تمثلان نموذجًا واحدًا في نظر الاستراتيجية الأمريكية: دول مستقلة القرار، خارجة عن الهيمنة الغربية، وغنية بالموارد. حين تفشل الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، يُصار إلى تفعيل سيناريو الفوضى الداخلية. إنها سياسة إنهاك لا إسقاط مباشر، تقوم على إطالة أمد الأزمات، وتحويل الاقتصاد إلى ساحة حرب، والشارع إلى خط مواجهة.

في هذا السياق، تأتي التهديدات الإسرائيلية كجزء من الضغط النفسي والسياسي، لا كمقدمة حرب مباشرة. إسرائيل تدرك أن إيران القوية داخليًا عصيّة على الكسر، لذلك يُفضَّل استنزافها عبر تشتيت انتباهها، وإبقائها في حالة دفاع دائم. لكن التجربة أثبتت أن الجمهورية الإسلامية، رغم كل الضغوط، نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها وقدرتها الردعية، وهو ما يفسّر استمرار الرهان على العقوبات والفوضى بدل المواجهة المفتوحة.

أما الحديث عن “اللعبة الأمريكية”، فهو ليس اتهامًا نظريًا، بل قراءة في نمط متكرر. الولايات المتحدة لم تعد تحتاج إلى الجيوش بقدر ما تعتمد على الأدوات الاقتصادية والإعلامية وتحريك الأزمات الاجتماعية. الهدف ليس إسقاط النظام بقدر ما هو دفعه إلى التراجع عن مواقفه الإقليمية والسيادية، أو على الأقل تحييده في لحظة إقليمية حساسة تشهد إعادة رسم للتوازنات في الشرق الأوسط.

وقد رأينا بوضوح مدى تأثير الولايات المتحدة في صناعة الفوضى عبر الإرهاب في سوريا، حيث تحوّلت الجماعات المتطرفة، التي رُوِّج لها يومًا كـ«معارضة معتدلة»، إلى أدوات تخريب دمّرت الدولة والمجتمع، بغطاء سياسي وإعلامي غربي معروف. التجربة السورية كشفت أن واشنطن لا تتردد في توظيف الإرهاب حين يخدم مصالحها، سواء عبر التمويل غير المباشر، أو غضّ الطرف، أو إدارة الصراع بما يضمن استنزاف الدولة المستهدفة. من هنا، يصبح من المنطقي قراءة ما يحدث في إيران ضمن السيناريو نفسه، مع اختلاف الأدوات والظروف، لكن بوحدة الهدف: كسر الدول التي ترفض الخضوع.

إن صمود إيران حتى اليوم، رغم كل هذه الضغوط، يعكس حقيقة أساسية: النظام لا يستمد قوته من القمع كما يُروَّج، بل من بنية دولة متماسكة، وخيار سياسي سيادي، وقدرة على تحويل الاستهداف الخارجي إلى عامل وعي وتماسك داخلي. التاريخ القريب أثبت أن الأنظمة التي تُسقطها الشعوب تختلف جذريًا عن تلك التي تُستهدف لأنها ترفض الانصياع للمشاريع الخارجية.

الخلاصة أن ما يجري في إيران ليس أزمة نظام، بل فصل جديد من مواجهة طويلة مع نظام دولي اعتاد استخدام الفوضى، والعقوبات، والإرهاب كأدوات ضغط. الاحتجاجات، الضغوط، التهديدات، ليست سوى محطات في معركة أثبتت إيران فيها مرارًا قدرتها على الصمود وإعادة إنتاج قوتها، في عالم لم يعد يُخفي صراعاته ولا أدواته.

 

شاهد أيضاً

المقاومة ضمانة السيادة وحصن الأوطان

بقلم الشيخ حسن حماده العاملي في عالمٍ لا تحكمه المبادئ وحدها، بل تتحكم فيه أيضًا …