بقلم : أمين السكافي
لم يأتِ الحرّ بن يزيد الرياحي إلى كربلاء كرجلٍ من الرمل، بل كرجلٍ من وهجٍ وامتداد، فارسٌ يُشبه صهوة الفجر حين تمتطي الأفق، يملأ الميدان هيبةً تشبه هدير العاصفة حين تُعلن حضورها. كان في جيش يزيد رأساً من رؤوس القوة، يقود الرجال بثباتٍ يُشعر الناظر أنّ الفروسية لو تجسّدت لرأيتها في خطوته، وأنّ الصرامة لو نطقت لخرج صوتها من حنجرة الحرّ.
ومع ذلك… لم يحفظه التاريخ بذلك.
حفظه لأنّ روحه تمرّدت على ذاتها، ولأنّه انتزع قلبه من قبضة الخوف كما تُنتزع النجمة من جيب الليل.
حين وقف الحسين في الصحراء، بدا وكأنه ليس فرداً من البشر، بل مقامٌ يعلو ولا يُمسّ. كان نورُ وجهه يُشبه مرآةً تعكس الحقيقة للقلوب الهائمة، وكان أهل بيته وأصحابه يمشون خلفه كأنّهم سربٌ من أطهارٍ تُرافقهم الملائكة من فوق الخيام.
خيمهم قليلة، لكنها متّصلة بسماءٍ أكبر من الأرض؛
وأطفالهم صغار، لكنّ عيونهم تحمل سكينةً تُشبه سكينة الأنبياء؛
ونساؤهم واقفاتٌ كالجبال، يتنفّسن الصبر كما يتنفّس الورد عبق الفجر؛
وأصحابهم كأنّ قلوبهم أسرجةٌ أوقدتها السماء.
في المقابل، كان جيش يزيد، بعظمته وعديده، كأنّه كثافة بلا روح، قوة بلا نور، ضخامةٌ لا تعرف إلى أين تمضي.
عندما أوقف الحرّ مسيرة الحسين، أحسّ للحظة أنّه وقف أمام قدرٍ أكبر منه ومن جيشه. كانت كلمات الحسين تهبّ عليه كريحٍ حانية، لكنها ريحٌ قادرة على تحريك جبالٍ من الصمت في صدر الإنسان.
وحين اجتمع جيش عمر بن سعد، واشتدّ الظلام على كربلاء، اشتدّ أكثر في صدر الحرّ، فتراجع إلى خيمةٍ بعيدة، وجلس بينه وبين نفسه كأنّ الليل يحاكمه.
كان يسمع في روحه حواراً لا يسمعه الجنود:
– أتبقى مع كثرتهم لأنهم كُثر؟
– أتعاند نور الحق لأنّ الظلم يملك جيشاً أعظم؟
– أهذه فروسية… أم قيدٌ مذهب؟
كان كمن يقف بين جرفين:
جرفٌ يلمع بالسلطة،
وجرفٌ يشعّ بالنور.
وكان عليه أن يختار.
كلّما فكر، رأى مخيم الحسين رغم صغره، يتّسع في خياله كأنه سماءٌ تهب نفسها للقلوب، ورأى نفسه في صفّ يزيد كأنه ظلٌّ يتطاول لكنه بلا معنى.
عند الفجر، نهض الحرّ.
لم ينهض كرجلٍ يريد أن يبدّل موقعه…
بل كرجلٍ يريد أن يولد من جديد.
اتجه نحو خيام الحسين، والخطى تحمله كأنّها تُسيّره لا هو يُسيّرها. اقترب من الإمام، فرأى نوراً يملأ الفضاء، كأنّ الحسين شمسٌ ووقوفُ الحرّ بين يديه شروقٌ جديد.
قال بصوتٍ خرج من أعماقه:
“هل لي من توبة؟”
فأجابه الحسين بنورٍ لا يُشبه كلمات البشر:
“نعم… تاب الله عليك.”
كانت تلك اللحظة مفتاح السماء.
لحظة انكسار الظلّ وقيام النور.
لحظة صعود الحرّ من مقام الطاعة العمياء إلى مقام البصيرة.
وفي ساعات الموقف العظيم، صار الحرّ كأنّه أولُ السائرين على جسرٍ من نور، يتقدّم المعركة لا ليُغيّر نتيجتها الأرضية، بل ليكتب نتيجتها السماوية.
ولما انتهت رحلته، أسرع إليه الحسين كأنّه يسرع إلى ابنٍ عاد إليه بعد ضياع، وقال كلمته التي هزّت التاريخ:
“صدقت أمك إذ سمّتك حرّاً… أنت حرّ في الدنيا والآخرة.”
كأنّ الحسين بتلك الكلمات ختم على روحه ختمَ الحرية الخالدة.
ثمّ بدا مخيم الحسين كأنه اقترب خطوة أخرى من السماء؛
نورٌ على نور، وسكينةٌ على سكينة، وصوت غير مرئي يهمس في الصحراء:
“هكذا يصعد الأحرار… هكذا يولد المجد.”
وهذه الحكاية، وإن قيلت قبل قرون، فإنّ صداها لا يزال يتردّد اليوم في غزة، في فلسطين، في كل أرضٍ يقف أهلها بين حقٍّ قليل ورعبٍ كثير.
والعالم، كما كان في الطفّ، ما يزال ينقسم:
– من يقف مع المظلومين، مع أصحاب الأرض، مع صوت الطفل المحاصر… فهو حرٌّ آخر، يختار النور ولو أُغلقت عليه منافذ الأرض.
– ومن يصفّق للظالم، ويجالس المحتلّ، ويقف في صفّ القوّة العمياء، فهو كعمر بن سعد ويزيد وجيشهما…
قد يجتمع العالم حوله،
لكنّ السماء لا تهتف باسمه.
إنّ غزة اليوم مخيّم الحسين بالأمس: قليلة العدد، لكنها موصولة برباطٍ لا يُقطع.
وإنّ المقاومة اليوم هي ذلك الصفّ الذي يشبه أصحاب الحسين:
قلةٌ تُربّيها العقيدة، لا تخشى إلا الله، وتعرف أنّ الحقّ ثقيلٌ لكنه الطريق الوحيد إلى الخلود.
وهكذا يتبيّن أنّ كربلاء ليست واقعةً مضت…
بل ميزانٌ تُوزَن عليه المواقف عبر الأزمنة.
وأنّ الحرّ ليس رجلاً انقضت حكايته…
بل هو مرآةٌ يُرى فيها كلُّ من اختار أن يقف مع النور ولو وحده.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
